تحديات تنفيذية تقيد هامش تغيير حكومة المنصوري
في ورقة بحثية صدرت عن المعهد المغربي لتحليل السياسات، رسم الباحث عبد الرفيع زعنون، أستاذ زائر بكلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية بتطوان، خارطة مآل ولاية فاطمة الزهراء المنصوري، مشيرًا إلى أن الحكومة المقبلة لن تبتعد عن التوجهات الكبرى للسياسات العمومية، لكنها لن تكون نسخة طبق الأصل عن سابقتها. فالتزاماتها المتراكمة تضيق هامش الاختيار، دون أن تلغي القدرة على إعادة ترتيب الأولويات. ستُقاس نجاحها أو فشلها في أربعة رهانات رئيسية: تحويل استثمارات مونديال 2030 إلى محرك للتنمية، ربط الاستثمار بالتشغيل، ربط الحماية الاجتماعية بأثرها الفعلي، وتحسين جودة الخدمات في المجالات الأكثر احتياجًا. من بين هذه التحديات، يبرز أولًا تحويل استثمارات مونديال 2030 إلى رافعة اقتصادية فعالة. لكن الورقة البحثية تشير إلى أن هذا لن يكون سهلا، حيث ستتطلب إعادة توزيع الموارد مع وجود قيود تنفيذية حادة. فالموازنة العامة تحت ضغط، مع نمو اقتصادي يقدر بـ4.4% هذا العام، مقابل هدف عجز في حدود 3% ودين قريب من 63% في أفق 2029. هذا الضغط المالي يضيق هامش الحركة، خاصة مع التزامات أخرى مثل برنامج البام (البرنامج الوطني للتكامل الاقتصادي والاجتماعي)، الذي يقدر كلفته بـ350 مليار درهم على خمس سنوات. في مجال الحماية الاجتماعية، يتجه البام نحو رفع قيمة الدعم واستهدافه بالدخل الحقيقي، بالإضافة إلى استكمال التغطية الصحية. لكن الورقة تحذر من أن هذه الخطوات لن تكون كافية لتغيير النظام الحالي، إلا إذا تم إصلاح النظام الصحي لضمان الولوج الفعلي للعلاج، وربط الدعم بمسارات الإدماج الاقتصادي. هذا يعني أن الحكومة ستواجه تحديًا كبيرًا في تحويل التزاماتها إلى نتائج ملموسة، حيث أن معظم الجهود ستتجه نحو توسيع المنظومة القائمة أكثر من إصلاحها. من جانب آخر، يركز حزب الأصالة والمعاصرة على أوراش جارية، مثل تطوير الأمن المائي مع إضافة محطات تحلية جديدة، وري مقتصد للمياه، وتشديد تقنين المياه الجوفية. لكن هذه المبادرات ستواجه تحديات تنفيذية، خاصة مع وجود عدة مراكز قرار وتنازع الاختصاصات، بالإضافة إلى موازين القوى داخل الأغلبية السياسية. هذا التنازع قد يعيق تنفيذ الخطط، خاصة مع وجود مصالح اقتصادية خاصة تتداخل مع القرارات العامة. في مجال الشغل، هناك مقترح ربط جزء من تمويل التكوين بالولوج الفعلي إلى العمل ودعم تكاليف التشغيل الأول. لكن هذا المسار يواجه عقبات، حيث أن سلاسل الإنتاج والتسويق الحالية قد تتعارض مع هذه المبادرات، بالإضافة إلى قدرة النسيج الاقتصادي على خلق وظائف مستقرة. هذا يعني أن الحكومة ستحتاج إلى إرادة سياسية قوية للوفاء بالتعهدات الكمية، خاصة مع وجود تحديات في القدرة الشرائية وإدماج الشباب. من بين العوامل التي تحد من هامش التغيير، يبرز التمويل، وتعدد مراكز القرار، والإرادة السياسية، وموازين القوى داخل الأغلبية، وفصل القرار العام عن المصالح الخاصة. هذه العوامل ستؤثر بشكل كبير على قدرة الحكومة على تنفيذ الخطط، خاصة مع وجود أجندة مزدحمة تشمل تفصيل مبادرة الحكم الذاتي بعد قرار مجلس الأمن 2797، واستحقاقات مونديال 2030. في السياق نفسه، تبرز مؤشرات ضاغطة أخرى، مثل تبعية طاقية بنسبة 87.5%، وهامش وسطاء يبلغ 34% من السعر النهائي، ونحو 3.5 مليون شخص في وضعية حقوق مغلقة، وأسر تتحمل قرابة نصف الإنفاق الصحي. هذه المؤشرات تدل على أن الحكومة ستواجه تحديات كبيرة في تحسين جودة الخدمات، خاصة في المجالات الأكثر احتياجًا. في مجال التنمية الترابية، يشارك ثلاث جهات بنحو 58.4% من الناتج الداخلي، بينما لا يتجاوز الربط بالماء الصالح للشرب في القرى 54.6% وبالتطهير 9.6%. هذا يشير إلى أن هناك حاجة ماسة لتوجيه الموارد نحو هذه المناطق، خاصة مع وجود برنامج جديد للتنمية الترابية بقيمة 210 مليار درهم على ثماني سنوات. في الختام، يشير زعنون إلى أن بصمة الحكومة لن تُقاس بعدد الأوراش الجديدة، بل بقدرتها على إعادة توجيه قواعد الدعم وتنظيم التوزيع وتخصيص الموارد. هذا يعني أن الحكومة ستحتاج إلى التركيز على إعادة ترتيب الأولويات، مع مساحة أضيق لسياسات جديدة، لضمان تحقيق أهدافها في ظل التحديات التنفيذية التي تواجهها.






















