عصيد: نقد التركيز على التفاصيل اللغوية يحرم من النقاش السياسي العميق
أثار رد فاطمة الزهراء المنصوري على تصريح عبد الإله بنكيران، المعروف بـ«ثريا»، جدلًا واسعًا، لكن ما أثار جدلًا أكبر هو تركيز النقاش على الأخطاء اللغوية في تصريحاتها، ما دفع الكاتب والناشط الحقوقي أحمد عصيد إلى وصف هذا التركيز بـ«التفاهات»، مشيرًا إلى أن الأجدر كان مناقشة مضامين البرامج الحكومية، لا طريقة نطق الكلمات.
في حديثه خلال برنامج «جلسة عمل» على موقع اليوم 30، شدد عصيد على أن الانتقادات التي وجهت إلى المنصوري تجاوزت حدود النقد البناء، حيث أصبح النقاش يركز على تفاصيل تافهة مثل وجود الهمزة أو طريقة نطق الكلمات، ما وصفه بـ«قسوة غير مبررة». وأشار إلى أن هذا النوع من النقد لا يقتصر على المنصوري فقط، بل يشمل حتى دكاترة يحملون دكتوراه في اللغة العربية، الذين يخلطون بين القواعد الإملائية والنحوية دون أن يلقوا أي نقد، بينما تُحاسب رئيسة الحكومة على كل كلمة تخرج من فمه.
«كان الناس قاسين على المنصوري عندما تجاوزوا هذا الحد»، وفق تعبيره، مشيرًا إلى أن رد المنصوري على بنكيران كان محاولة لرد الاعتبار لامرأة ترأست الحكومة، بعد تعرضها لإهانات من «الذباب الإلكتروني التابع للتيار المحافظ»، الذي يعتبر المرأة دون مستوى المسؤولية، حسب تعبيره. وأكد أن رد المنصوري كان ردًا قويًا على مثل هذه التصريحات، خاصة وأنها تتولى موقعًا رفيعًا في هرم الدولة.
لكن عصيد لم يقتصر على نقد النقاش حول المنصوري، بل امتد إلى تقييم المشهد السياسي المغربي بشكل عام. فوفقًا له، ساهمت شبكات التواصل الاجتماعي في «تمييع» الفعل السياسي، حيث أصبح النقاش حول الشخصيات السياسية ينصرف إلى تفاصيل هامشية بدلاً من جوهر القضايا. وأشار إلى أن هذا التوجه يحرم المواطنون من فرصة فهم الأفكار الحقيقية التي يقدمها السياسيون، ويحول دون مناقشة القضايا الأساسية التي تهم المجتمع.
«الآن هناك نسبة كبيرة من التفاهة مع شبكات التواصل»، وفق تعبيره، مشيرًا إلى أن النقاش السياسي بات ينحرف عن رصانة الخطاب، حيث ينزل السياسيون إلى مستوى الإثارة والتفاهات لإرضاء الجمهور. وأشار إلى أن هذا ليس بالضرورة خطأ في وجود تفاعل مع الجمهور، لكن يجب أن لا يتحول إلى استعراض قائم على التفاهات، بل يجب أن يحافظ السياسيون على مستوى خطابهم الراقي.
في السياق نفسه، طرح عصيد سؤالًا حول ما يجنيه المواطنون من العملية الانتخابية، بعيدًا عن المقاعد التي تفوز بها الأحزاب. وأكد أن ما ينبغي أن يتبقى بعد الانتخابات هو الحوار السياسي الذي يتيح للمجتمع مناقشة الاختيارات والبرامج والقضايا المطروحة. وأشار إلى أن الاحتقان الاجتماعي الذي يشهده المغرب يجب أن يتحول إلى مناقشة قضايا اجتماعية وسياسية، وليس إلى مواجهة شخصانية.
وعلى صعيد آخر، تطرق عصيد إلى أوضاع حقوق الإنسان بالمغرب، مشيرًا إلى أن الفترة الممتدة من عام 1999 حتى 2013 كانت أفضل من المرحلة الحالية. وأشار إلى أن تراجعات بدأت تظهر منذ عام 2014، حيث بدأت الدولة تتغير في تعاملها مع الأصوات المخالفة، حيث لم تعد تقبل الخطاب الذي لا ينسجم مع توجهاتها. وأشار إلى أن قوة الدولة لا تكمن في أحادية الصوت، بل في وجود معارضة قادرة على التعبير عن مواقفها.
وفي حديثه عن ملف العدالة الانتقالية، شدد عصيد على أن أحد الأخطاء الكبيرة التي وقعت في هذا المسار هو السماح لشخصيات ارتبطت بممارسات التعذيب بتولي مواقع في الحياة العامة. وأشار إلى أن ظهور شخصيات مثل محمود عرشان في وسائل الإعلام يفتح جروحًا مؤلمة لدى الضحايا، الذين لا يزالون يعانون من آثار التعذيب التي تعرضوا لها.
وأكد عصيد أن المصالحة لا يمكن أن تتم بمعزل عن مشاعر الضحايا وتجاربهم. وقال إن الشخص الذي تعرض للتعذيب لسنوات طويلة لا يمكن أن يقبل بسهولة ظهور الشخص الذي مارس عليه التعذيب في وسائل الإعلام. وأشار إلى أن طي صفحة الماضي يجب أن يشمل جميع الجوانب، بما في ذلك الأشخاص الذين ارتبطت أسماؤهم بالانتهاكات، حتى لا يشعر الضحايا بأن معاناتهم لم تؤخذ بعين الاعتبار.
وفي هذا السياق، دعا عصيد إلى أن تتخذ الشخصيات المعنية مواقف من شأنها تخفيف حدة هذا الجدل، من خلال التخلي عن المواقع القيادية وترك المجال أمام أجيال جديدة داخل الأحزاب السياسية. وقال إن استمرار هذه الشخصيات في الواجهة يعيد إنتاج نقاش مؤلم بالنسبة إلى الضحايا، في حين أن انسحابها من مواقع القيادة قد يتيح للأحزاب مواصلة نشاطها بقيادات جديدة، بعيدًا عن الحسابات المرتبطة بمرحلة الانتهاكات.
وأشار إلى أن على شخصيات مثل عرشان أن يتعفف ويتنازل عن مواقعها القيادية، حتى لا يستمر هذا النقاش المؤلم الذي يفتح جروحًا قديمة. وقال إن الحزب يمكن أن يستمر بشباب جدد، ليس لديهم تلك الخلفية ولا تلك الحسابات، ولا يحاسبهم أحد على أخطاء سابقة.
عصيد: «عيد الوحدة» يستدعي تجديدًا سياسيًا.. الجزائر تغرق في «الوهم»
ليموري أمام قاضي التحقيق: ساعات عصيبة في قضية أوراق الانتخابات






















