عصيد: «عيد الوحدة» يستدعي تجديدًا سياسيًا.. الجزائر تغرق في «الوهم»
أكد الكاتب والناشط الحقوقي أحمد عصيد أن الاحتفال بالذكرى الأولى لـ«عيد الوحدة» يمثل فرصة استراتيجية لاستعادة الأولوية للرهانات الوطنية في ظل تحديات متزايدة، سواء على المستوى الداخلي أو الدولي. في برنامج «جلسة عمل» على موقع اليوم 30، شدد على أن المغرب يواجه صعوبات كبيرة، من توترات إقليمية إلى نقاشات حول الهوية والتاريخ، ما يجعل تعزيز التماسك الوطني ضرورة ملحة. وفقًا لعصيد، لا يمكن تجاوز هذه التحديات دون اعتماد استراتيجيات جديدة، بعيدًا عن الأساليب التقليدية التي لم تعد تناسب المرحلة الحالية.
في تصريحاته، أوضح أن «عيد الوحدة» يحمل وزنًا خاصًا بالنظر إلى التحديات التي تواجه البلاد، سواء في السياق الدولي المتوتر أو في النقاشات الداخلية حول الانتماء الوطني. «كل هذه التحديات يجب أن تخرج منها المملكة أقوى وأقوى، ولكن ذلك يتطلب تقوية الوحدة الوطنية بشكل أكثر فعالية من السابق»، وفق تعبيره. وأشار إلى أن الأدوار الاستراتيجية التي يطمح المغرب إلى لعبها في منطقة المغرب الكبير أو في العمق الإفريقي، إلى جانب العلاقات الدولية الواسعة، تتطلب قاعدة داخلية قوية ومتجانسة.
من بين هذه العلاقات، أكد عصيد على دور المغرب في إطار الاتحاد الإفريقي، حيث تمكّن الدستور المغربي منذ عام 2011 من التأكيد على الانتماء الإفريقي للمملكة. بالإضافة إلى ذلك، تسعى المغرب إلى تعزيز شراكاتها مع الاتحاد الأوروبي، والولايات المتحدة، والصين، وغيرها من القوى الدولية. ومع ذلك، وفق رأيه، فإن تحقيق هذه الطموحات يتطلب تماسكًا داخليًا لا يتجزأ، حيث تشكل الوحدة الوطنية الشرط الأساسي لمواكبة هذه الطموحات على الصعيدين الإقليمي والدولي.
في هذا السياق، ربط عصيد بين مستقبل الاتحاد المغاربي والعلاقات المغربية الجزائرية، مشيرًا إلى أن تحقيق الاندماج المغاربي لا يمكن أن يكون ممكنًا دون حل للنزاع حول الصحراء. «قضية الاتحاد المغاربي أو المغرب الكبير لا حل لها إلا بحل المشكلة المتعلقة بالصحراء مع الجزائر»، وفق ما أوضح. وأشار إلى أن المسار الحالي، الذي يدعمه الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب، يتطلب ضغطًا دوليًا كبيرًا على الجزائر من أجل التخلي عن الأطروحة التي تبنتها في السنوات الماضية.
وفقًا لعصيد، فإن النظام العسكري الجزائري يجد صعوبة في التخلي عن هذه الأطروحة، حيث يستمد منها مبرراتًا لوجوده. «الأمر يتطلب وجود قوة دولية كافية تجعله يقبل بالتخلي عنها»، وفق رأيه. وأضاف أن تجاوز هذه الخلافات سيفتح آفاقًا واسعة أمام شعوب المنطقة، حيث يمكن للمغرب، بفضل تنوعه الثقافي والتاريخي، أن يلعب دورًا محوريًا في بناء فضاء مغاربي متكامل.
وفي هذا الإطار، استحضر عصيد تقديرات البنك الإفريقي للتنمية حول الخسائر الاقتصادية الناجمة عن استمرار النزاع بين المغرب والجزائر، مشيرًا إلى أن هذا النزاع يكلف البلدان ملايين الدولارات سنويًا. «هذا النزاع تسبب في ضياع حقوق ومصالح اقتصادية وتنموية على شعوب المنطقة»، وفق تعبيره، مؤكدًا أن هذا الإشكال كان يمكن تجنبه، حيث كان المغرب مستعدًا لضمان مصالح الجزائر، سواء داخل أراضيها أو عبر منطقة البحر الأبيض المتوسط والمحيط الأطلسي.
وأكد أن المغرب كان بإمكانه تقديم فرص اقتصادية وتجارية إستراتيجية للجزائر، من خلال الاستفادة من إمكانات العبور والوصول إلى المحيط الأطلسي. «المغرب يمكنه أن يطلق مبادرات تنموية إقليمية تستوعب المصالح الجزائرية، على غرار المبادرة الأطلسية التي أطلقها لدول الساحل»، وفق رأيه. وأشار إلى أن التصور المغربي للعلاقات الإقليمية لا يقوم على اعتبار نهضة الجزائر تهديدًا، بخلاف ما يعتقده النظام العسكري الجزائري.
في تحليله للتصور الجزائري، أوضح عصيد أن المؤسسة العسكرية الجزائرية تعاني من «وهم» يعتبر تطور المغرب تهديدًا لها. «المغرب ليس لديه الفكرة نفسها الموجودة لدى الجزائر، والتي تعتبر أن نهضة المغرب تشكل خطرًا»، وفق تعبيره. وأشار إلى أن هذا التصور ليس معزولًا عن نماذج تاريخية سابقة، مثل تصورات إسبانيا في مراحل سابقة التي اعتبرت أن نهوض المغرب قد يشكل خطرًا عليها.
وفي هذا السياق، استحضر عصيد قصة الملكة إيزابيلا الإسبانية، التي أوصت بعدم السماح للمغرب بالنهوض، خشية أن تشكل قوته خطرًا على إسبانيا. وأشار إلى أن مثل هذه التصورات تعقد من وضع المغرب، حيث يعتبره بلدان مثل الجزائر وإسبانيا تهديدًا. «المغرب محاط ببلدين يعتبران أن نهضته تشكل خطرًا عليهما»، وفق رأيه، مشيرًا إلى أن المرحلة الحالية تتطلب ضغطًا دوليًا على الجزائر من أجل القبول بالمصالح التاريخية مع المغرب.
وبخصوص المسار التفاوضي حول الصحراء، شدد عصيد على أهمية إشراك الجزائر في المفاوضات، حيث كانت الجزائر ترفض سابقًا الجلوس إلى طاولة الحوار مع المغرب. «بدء المفاوضات وإرغام الجزائر على الجلوس إلى طاولة الحوار يمثل تطورًا كبيرًا»، وفق رأيه. ومع ذلك، أشار إلى أن موريتانيا تتعامل مع التوازنات الإقليمية بطريقة مختلفة، حيث تحاول الحفاظ على علاقاتها مع المغرب والجزائر دون الإساءة إلى أي طرف.
وفيما يتعلق بالعلاقات الجزائرية مع فرنسا، ربط عصيد التحركات العسكرية الجزائرية بتراجع الوجود الفرنسي في منطقة الساحل الإفريقي. «الجزائر تعتقد أنها تستطيع ملء الفراغ الذي خلفه هذا التراجع»، وفق رأيه، لكن المؤشرات لا تدعم هذا التوجه. وأشار إلى أن التحركات الجزائرية تخل بالتوازنات القائمة في المنطقة، حيث لا تضمن الأمن والسلم، بل تعمق الاختلالات القائمة.
وأكد عصيد على أن «ازدواجية السلوك العسكري» للجزائر لا تساعد على بناء الثقة، خاصة عندما تقوم الجزائر بأفعال ثم تنكرها أو تتحرك من وراء الستار. «المغامرات العسكرية للجزائر لن تفضي إلى نتائج محمودة بالنسبة لدول الساحل»، وفق رأيه، مشيرًا إلى أن تحقيق الاستقرار يتطلب التعاون الإقليمي ومواجهة التهديدات الأمنية بشكل جماعي.






















