# المغرب يرفع ميزانية الدفاع إلى 190.5 مليار درهم لتعزيز الاستقلالية التكنولوجية
تعد الزيادة الملحوظة في ميزانية الدفاع المغربية، التي ارتفعت من 157.17 مليار درهم في عام 2026 إلى 190.5 مليار درهم في مشروع ميزانية 2027، أكثر من مجرد زيادة رقمية في النفقات العسكرية. بل تعكس استراتيجية طويلة الأمد تهدف إلى تحقيق الاستقلالية الدفاعية للمملكة، في ظل تحولات إقليمية وتكنولوجية متسارعة. هذه الخطوة، التي تأتي ضمن رؤية استراتيجية واضحة، تسعى إلى تعزيز القدرات العسكرية المغربية وتطوير البنية التحتية الدفاعية، مع التركيز على الاستقلالية التكنولوجية والتكامل بين مختلف مكونات المنظومة العسكرية.
في تصريح لـاليوم 30، أوضح الشرقاوي الروداني، خبير في الدراسات الجيو-استراتيجية والأمنية، أن هذه الزيادة المالية ترتبط مباشرة برؤية الملك محمد السادس، القائد الأعلى للقوات المسلحة الملكية. حيث أكد الملك في الأمر اليومي بمناسبة الذكرى السبعين لتأسيس القوات المسلحة الملكية أن تطوير القدرات الدفاعية يمثل أولوية كبيرة ضمن الاستراتيجية الوطنية. هذا التوجه، حسب الروداني، لا يقتصر على زيادة النفقات، بل يهدف إلى “تحديث البنية العسكرية وتطوير الكفاءات البشرية” لمواجهة “التغيرات الجيو-استراتيجية والتحولات في طبيعة الحروب المعاصرة”.
الخبير أشار إلى أن بناء القدرات الدفاعية اليوم لا يعتمد فقط على اقتناء المعدات، بل يتطلب التخطيط الاستباقي وتكامل جميع مكونات المنظومة العسكرية، بما في ذلك القيادة والسيطرة والاتصالات (C4ISR)، الدفاع الجوي، الحرب الإلكترونية، الطائرات غير المأهولة، الذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني. هذه المنظومات الحديثة “تقليص الوقت بين رصد التهديد واتخاذ القرار” وتزيد “التنسيق بين القوات البرية والجوية والبحرية”. كما أن الذكاء الاصطناعي أصبح عنصرًا أساسيًا في تشغيل الأنظمة الدفاعية وإدارة العمليات، حيث “تنامي الاعتماد على البيانات والخوارزميات” في المجالات العسكرية.
### تحولات إقليمية تفرض تعزيز الجاهزية
من منظور استراتيجي، أكد الروداني أن الموقع الجغرافي للمغرب يفرض معالجة متطلبات الأمن الوطني من منظور متعدد الأبعاد. حيث توترات المنطقة المغاربية و”تصاعد المخاطر في الساحل وجنوب الصحراء” بالإضافة إلى المصالح الأطلسية والبحرية للمملكة “تجعل المحافظة على توازن ردعي” ضرورة استراتيجية لا سباق تسلح بل ضمان حماية المصالح الحيوية واحتواء احتمالات التصعيد ومنع فرض وقائع عسكرية قد تمس سيادة المملكة.
في هذا السياق، أوضح عبد الرحمان مكاوي، خبير عسكري، أن ارتفاع ميزانية الدفاع في 2027 حكمته أسباب موضوعية مرتبطة بالخيارات الاستراتيجية في عالم يشهد اضطرابات ونزاعات تؤثر “بشكل مباشر أو غير مباشر” على المصالح المغربية. حيث شمال إفريقيا والشرق الأوسط تواجه تحولات أمنية مثل توترات إيران والولايات المتحدة وتحريك أذرع إيران لاستهداف دول عربية مستقرة مثل البلدان المنتجة للطاقة. بالإضافة إلى محاولات إعادة تشكيل النفوذ في الشرق الأوسط والقرن الإفريقي حيث النزاعات في إثيوبيا والصومال تؤثر على الاستقرار الإقليمي.
كما تعد أمن الممرات البحرية تحديًا مهمًا حيث قناة السويس ومضيق جبل طارق تعتبر من أهم الممرات التجارية في الحركة الدولية، مما يفرض على المغرب تعزيز قدراته الدفاعية والبحرية نظرًا لإطلالته على واجهتين بحريتين والمصالح الاقتصادية والأمنية المرتبطة بموقعه الاستراتيجي”**.
### تحديث نوعي لمنظومات القتال
فيما يتعلق “بتطورات الجيوش الحديثة، شدد الشرقاوي الروداني على أن التفوق العسكري اليوم لا يعتمد فقط على المنصات القتالية بل على القدرة على الربط الفوري بين الاستطلاع والاستخبارات والقيادة والسيطرة والنيران الدقيقة. حيث أظهرت النزاعات الأخيرة أن التفوق العسكري يرهنا بالقدرة على التكامل بين مختلف المنظومات مثل الاستخبارات والمراقبة والاستطلاع (ISR) والدفاع الجوي والحرب الإلكترونية والطائرات بدون طيار.
كما أصبح الذكاء الاصطناعي عنصرًا أساسيًا في معادلات التفوق العسكري حيث تنامي الاعتماد على البيانات والخوارزميات في تشغيل الأنظمة الدفاعية وإدارة العمليات. بينما أكد مكاوي أن تكلفة الأسلحة الحديثة تزداد بسبب التطور التكنولوجي الذي يؤثر على جميع المجالات (برية، جوية، بحرية). حيث الأنظمة القتالية تستلزم تطبيقات وخوارزميات متقدمة وتحديث مستمر وصيانة وتأهيل الموارد البشرية القادرة على تشغيلها وصيانتها”.
### تكاليف الاقتناء والصيانة والاستدامة
من “العوامل التي تفسر ارتفاع النفقات العسكرية، توقف مكاوي عند كلفة السوق حيث الإنفاق الدفاعي لا يقتصر على شراء المعدات بل يشمل الذخائر وقطع الغيار والصيانة الدورية والتحديث المستمر لمختلف المنظومات. حيث سعر الرصاصة لبندقية من طراز كلاشينكوف يتراوح بين 100 و150 درهم في السوق السوداء بينما في السوق الرسمية أعلى مما يؤثر على الكلفة المتراكمة لتوفير مستلزمات الجاهزية العسكرية.
كما تؤثر التضاريس والظروف المناخية على نفقات الصيانة حيث تتعرض بعض التجهيزات للتآكل والصدأ بسبب الاستخدام والظروف البيئية مما يفرض استبدال أجزاء أو إخضاعها للصيانة والتحديث حسب حاجات التشغيل. حيث الطائرات والمعدات الجوية والبرية والبحرية تحتاج إلى صيانة منتظمة مثل تغيير القطع المستهلكة ومراقبة سلامة الأنظمة لضمان جاهزيتها واستدامة القدرة القتالية خلال الأزمات الطويلة.
في المجال البحري، يولي المغرب أهمية متزايدة لتطوير قدراته البحرية نظرًا لتحولات المصالح الاستراتيجية للمملكة. حيث اقتناء الفرقاطات والزوارق المسيرة والأنظمة البحرية ومعدات الدفاع الجوي المرتبطة بحماية المجال البحري يحتاج إلى استثمارات كبيرة بسبب التعقيد التكنولوجي وارتفاع كلفة تشغيلها والصيانة”.
### الصناعة الدفاعية وتقليص التبعية للخارج
بالإضافة إلى “تحديث الترسانة العسكرية، يعتبر الروداني أن توطين الصناعة الدفاعية محورًا أساسيًا في الاستراتيجية المغربية نحو الاستقلالية الاستراتيجية. حيث أكد الملك محمد السادس في الأمر اليومي للقوات المسلحة الملكية سنة 2025 على دعم التصنيع الدفاعي لتحقيق الاستقلالية المنشودة في المجال الدفاعي.
وتتمثل أهمية التصنيع المحلي ليس فقط في إنتاج المعدات بل في تأمين سلاسل الإمداد والتحكم في الصيانة وبناء قاعدة هندسية وطنية تقليص الاعتماد على الموردين الخارجيين. حيث استدامة القدرة القتالية خلال الأزمات تستلزم حيازة منظومات متطورة مع القدرة على تشغيلها وإصلاحها وتوفير قطع غيارها دون الاعتماد الكامل على الخارج.
من الجهة الأخرى، أكد مكاوي أن المغرب يجمع بين اقتناء تجهيزات متقدمة والاستثمار في التكوين وتطوير التصنيع الدفاعي داخل المملكة. حيث تشارك شركات من الولايات المتحدة وفرنسا وإسرائيل والصين في برامج نقل التكنولوجيا وتطوير القدرات المحلية حسب الشراكات المبرمة. حيث تحويل التكنولوجيا وتطوير القدرة على إنتاج قطع الغيار يحتاج إلى استثمارات كبيرة وكفاءات تقنية وتكوين مستمر.
كما أشار الروداني إلى أن الشراكات الدفاعية الدولية لا تقتصر على اقتناء الأسلحة بل تشمل نقل التكنولوجيا والتكوين وتعزيز قابلية التشغيل البيني بين القوات المسلحة المغربية ونظيراتها الأجنبية. حيث تعتبر خارطة الطريق الدفاعية الجديدة مع الولايات المتحدة (للفترة 2026-2036) فرصة لتطوير القدرات وتبادل الخبرات شريطة توظيفها لخدمة الأهداف الاستراتيجية للمملكة.
كما تبرز أهمية المشاركة في المناورات العسكرية مثل الأسد الإفريقي وأوريون حيث تطور منظومات متوافقة مع نظم القوات المشاركة يضمن التنسيق وتبادل المعلومات وتنفيذ العمليات المشتركة” بكفاءة.
### العقيدة الدفاعية وحماية السيادة
في “معرض الحديث عن العقيدة الدفاعية للمغرب، شدد الروداني على أنها تشكلت تاريخيًا حول حماية السيادة والوحدة الترابية مع التمسك بمبادئ حسن الجوار وعدم التدخل والتسوية السلمية للنزاعات. حيث الردع الدفاعي غير التصعيدي يعتبر عنصرًا أساسيًا في الخيارات العسكرية المغربية حيث لا ينظر المغرب إلى تطوير قدراته كوسيلة لتغيير التوازنات أو فرض إرادته بل ضمانة لحماية المصالح الوطنية ومنع تحول حسن الجوار إلى هشاشة استراتيجية.
كما يعبر حسن الجوار عن اختيار سياسي وسيادي بينما الاستعداد الدفاعي ضرورة تفرضها احتمالات تغير سلوك الفاعلين وطبيعة التهديدات. حيث تعزيز القدرات العسكرية لا يتعارض مع الاستقرار بل يهدف إلى ضمان عدم تعرض القرار الوطني إلى الإكراه الخارجي. كما مفهوم الردع الوقائي يكتسي أهمية حيث قدرة على منع التهديد قبل تحوله إلى مواجهة واحتواء التصعيد والحفاظ على حرية المبادرة في إدارة الأزمات”.
### سباق التسلح والتحولات الجيو-استراتيجية
من “الجهة الأخرى، أشار مكاوي إلى أن الزيادة في النفقات العسكرية تندرج ضمن سياق إقليمي يتسم بارتفاع كلفة التسلح وتنامي الاستثمارات الدفاعية. حيث الجزائر رصدت اعتمادات تبلغ 27 مليار دولار في ميزانية 2027 مما يؤكد على التحولات الجيو-استراتيجية وارتفاع أسعار المعدات والتكنولوجيا الدفاعية.
كما المقارنة بين الميزانيات لا يجب أن تنفصل عن طبيعة التجهيزات وكلفة تشغيلها ومتطلبات تحديثها واستثمارات البحث والتطوير والتصنيع المحلي. حيث التحول نحو الأسلحة الذكية والأنظمة المعتمدة على الذكاء الاصطناعي يضيف أعباء مالية جديدة حيث القدرات العسكرية تقاس بعدد المعدات ومدى تطورها وقدرة تبادل المعلومات والاستجابة السريعة والعمل ضمن منظومات متكاملة”.
### السيادة العملياتية رهان المرحلة المقبلة
في “خاتمة حديثه، أكد الروداني أن الاعتمادات الدفاعية المبرمجة لسنة 2027 ستتحدد بمدى قدرتها على تعزيز السيادة العملياتية للمملكة، أي امتلاك وسائل الردع والتحكم في شروط تشغيلها وصيانتها وإدامتها لضمان حرية اتخاذ القرار وإدارة الأزمات دون الخضوع لإكراهات خارجية.
كما شدد على أن متطلبات الدفاع خلال العقد المقبل لا ترتبط فقط بتوفير أسلحة متطورة بل ببناء منظومة متكاملة تستبق التهديدات وتحافظ على توازن الردع وتأمين المصالح الوطنية في محيط جيو-سياسي متغير. حيث المحافظة على السلم الإقليمي تقتضي الجمع بين الدبلوماسية والقدرة الدفاعية الموثوقة لتحول دون استغلال الجغرافيا والتحولات الإقليمية للضغط على المصالح الحيوية للمملكة.
في خاتمة هذا الرهان المغربي يرتبط بمدى نجاح المملكة في الجمع بين تحديث القوات المسلحة وتطوير الصناعة الدفاعية وتأهيل الكفاءات الوطنية وتعزيز الشراكات الدولية مع الحفاظ على استقلالية القرار وحماية السيادة والوحدة الترابية”.
المغرب يصوت ضد رفع حصار كوبا: رسائل دبلوماسية واستراتيجية
مسابقة الحديث النبوي الأفريقية تركز على سيرة الرسول في دورتها الثالثة بالرباط






















