# نهاية الوصاية: المغرب يثبت على ثباته أمام مأساة الصحراويين في تندوف
كان من المتوقع أن يحرز مشروع قرار أمريكي تقدمه إلى مجلس الأمن في 30 أكتوبر 2026 تقدمًا نحو حل سياسي في ملف الصحراء المغربية، لكن ما حصل كان عكس ذلك تمامًا. لم يكن الفيتو الروسي مجرد عرقلة دبلوماسية، بل كان إشارة واضحة إلى أن هذا الملف، الذي امتد لأكثر من نصف قرن، لم يعد يخدم أي حل إنساني أو سياسي حقيقي. خلف القرارات والمفاوضات المتكررة، وجد آلاف الصحراويين أنفسهم في مخيمات تندوف، بعيدين عن أرضهم، يعيشون في انتظار حل لا يملكون فيه أي دور. هذه المأساة الإنسانية، التي امتدت منذ 1991، لم تحظَ بالاهتمام الكافي، رغم أنها تترك بصمتها على أجيال كاملة من البشر الذين لم يعرفوا وطنًا سوى صور وروايات.
جلسة مجلس الأمن التي عقدت في تلك التاريخ لم تنتهِ إلى أي قرار جديد يمدد ولاية بعثة الأمم المتحدة للتمكين في الصحراء الغربية (مينورسو). كان المشروع الأمريكي قد حصل على 11 صوتًا مؤيدًا، لكن تصويت روسيا المعارض، كعضو دائم في المجلس، حال دون اعتماده. لم يكن هذا كل شيء، إذ لم يحظِ المشروع الروسي البديل، الذي كان يقترح تمديد ولاية البعثة دون تغيير، بالأغلبية المطلوبة أيضًا. وهكذا، انتهت الجلسة دون أي تقدم، في تطور غير مسبوق منذ إنشائها في 1991، مما يبرز فشل النظام الحالي في حل هذا الملف الذي أصبح عبئًا على آلاف الناس.
ما يستوقف أكثر من هذا الفشل الدبلوماسي هو المأساة الإنسانية التي خلفها هذا النزاع. آلاف الصحراويين يعيشون في مخيمات تندوف، بعيدين عن أرضهم، في ظروف لا يمكن وصفها إلا بأنها قاسية. هذه المخيمات، التي تستضيف أجيالًا من البشر، أصبحت مكانًا للانتظار الدائم، حيث لا يملك السكان أي سيطرة على مستقبلهم. الأطفال الذين ولدوا هناك لم يعرفوا وطنًا سوى ما رأوه في الصور أو سمعوه في الروايات، بينما يعيش آباؤهم في حالة من الحيرة والانتظار المطلق. هنا، تتجلى مسؤولية الجزائر، التي تستضيف هذه المخيمات وتتحمل مسؤولية استمرار هذا الوضع. ليس هذا مجرد دعم سياسي لجبهة البوليساريو، بل هو توظيف لأجيال من البشر كدروع بشرية في صراع لا يتعلق بهم على الإطلاق.
إن هذه المسؤولية الجزائرية لا يمكن تجاهلها أو اختزالها في مجرد موقف دبلوماسي. الجزائر، كدولة تستضيف المخيمات، تحمل مسؤولية أساسية في ضمان حقوق السكان هناك. من حق المجتمع الدولي أن يسألها عن ضمان حرية التنقل للسكان، وعن حقهم في اختيار مستقبلهم، وعن مدى تمكينهم من التعبير عن آرائهم دون أي ضغط سياسي. هذا ليس مجرد سؤال دبلوماسي، بل هو مسؤولية أخلاقية تجاه آلاف البشر الذين يعيشون في ظروف غير إنسانية منذ عقود.
لم يكن هذا النزاع مجرد صراع سياسي بين دولتين، بل كان له انعكاسات إنسانية خطيرة. منذ 1963، بعد حرب الرمال، تعرض مغاربة يقيمون في الجزائر، ومن بينهم من ساهموا في مقاومة الاستعمار الفرنسي، لآثار القطيعة بين البلدين. ثم جاء 1975، عندما طُرد نحو 45 ألف أسرة مغربية من الجزائر، وفق ما أفادت به تقارير حقوقية وشهادات الضحايا. هذه العائلات، التي بنت حياتها هناك، وجدت نفسها فجأة أمام الترحيل القسري، في مشهد لا ينسجم مع أدنى قواعد الجوار أو حقوق الإنسان. هذه الوقائع ليست مجرد تاريخ، بل هي تذكير بأن القرارات السياسية حين تتحول إلى أدوات للعقاب الجماعي، فإن الإنسان العادي هو أول من يدفع ثمنها.
إن توظيف قضية الصحراء في الصراع مع المغرب، بدلاً من البحث عن تسوية تضع حدًا لمعاناة السكان، جعل الإنسان الصحراوي رهينة حسابات تتجاوز احتياجاته اليومية وحقوقه الأساسية. عندما تصبح المخيمات ضرورة استراتيجية لتبرير خطاب سياسي، فإن السكان يتحولون إلى دروع بشرية، ومعاناتهم تصبح جزءاً من أدوات الضغط والمساومة. هذه المأساة الأخلاقية الكبرى تكمن في أن أجيالًا كاملة تُجبر على الانتظار، وأن حياتهم تُختزل في قضية لم تشارك في صياغتها ولا تملك وحدها قرار إنهائها.
الصحراويون في تندوف ليسوا مجرد أرقام في تقارير المساعدات الإنسانية، بل بشر لهم الحق في الحياة الكريمة، وفي التنقل، وفي التواصل مع أسرهم، وفي اختيار مستقبل أبنائهم. من حقهم أن يرفعوا أصواتهم سلميًا للمطالبة بإنهاء وضع لا يجوز أن يتحول إلى قدر موروث. كما أن من واجب المنظمات الإنسانية أن تواصل عملها، وأن تحظى بحرية الوصول إلى السكان، بعيداً عن أي توظيف سياسي للمساعدات أو عرقلة لعملها.
أما المغرب، فإن موقفه في هذا الملف لا يستمد قوته من تصويت عابر أو من شهادة تمنحها دولة أو جهة دولية. المغرب لا يحتاج إلى شهادة من أحد على ارتباطه بأرضه، ولا ينظر إلى وحدته الترابية باعتبارها موضوعًا للمساومة. تاريخ المغرب هو تاريخ استمرارية ودولة قوية، تمتد جذورها إلى عمق غرب إفريقيا. منذ قرون، حافظت الدولة المغربية على وحدتها الترابية، رغم التحولات والصراعات ومحاولات التوسع الخارجي. هذه الاستمرارية ليست مجرد حدود جغرافية، بل هي روابط سياسية وتجارية ودينية وثقافية امتدت إلى عمق القارة الأفريقية.
قوة المغرب تكمن كذلك في تلاحم مؤسساته وشعبه، وفي تلك الرابطة التاريخية التي تجمع الملك بالشعب، والتي ظلت عنصرًا أساسيًا في ضمان الاستمرارية والوحدة خلال مراحل دقيقة من تاريخ البلاد. الملك محمد السادس عبّر عن هذا المعنى بوضوح حين أكد أن المغرب في صحرائه والصحراء في مغربها. هذا الموقف ليس رد فعل ظرفي، بل هو تعبير عن تصور للدولة وتاريخها ومستقبلها، وعن إرادة وطنية لا تتغير بتغير موازين التصويت داخل مجلس الأمن.
في هذا السياق، اكتسب بلاغ الديوان الملكي الصادر عقب جلسة مجلس الأمن دلالة خاصة. اعتبر البلاغ عدم تجديد ولاية المينورسو تطورًا مهماً وخطوة نحو الإغلاق النهائي لملف الصحراء المغربية في الأمم المتحدة. ربط ذلك بالانتقال من منطق تدبير الملف إلى منطق التحول العميق في معاييره، وأكد أن وجود البعثة في الأقاليم الجنوبية، بما يشمل أفرادها ومركباتها ومعداتها ورموزها، ينبغي أن ينتهي خلال الأيام المقبلة. هذا الموقف المغربي الرسمي يعبر عن مرحلة جديدة في تدبير الملف، وعن رفض استمرار وضع لم يعد المغرب يرى فيه مبررًا سياسيًا أو عمليًا.
إن بلاغ الديوان الملكي يضع حدًا لمرحلة من تدبير هذا الملف، ويعبر عن إرادة المغرب في الانتقال إلى مرحلة جديدة، عنوانها الثقة في عدالة قضيته وفي قوة مؤسساته وتلاحم شعبه وملكه. هذا تأكيد على أن كرامة الدولة المغربية وسيادتها ليستا موضوعًا للمساومة أو الانتظار. لقد آن الأوان لكي تتحمل الجزائر مسؤوليتها التاريخية، وأن تتوقف عن توظيف الصحراويين في صراعها مع المغرب، وأن تضع حدًا لمأساة إنسانية امتدت نصف قرن. ليس من المقبول أن يرث الأطفال خيام آبائهم، وأن يرثوا معها نزاعًا لم يختاروه.
المغرب، من جهته، سيواصل مسيرته في بناء أقاليمه الجنوبية والدفاع عن وحدته الوطنية، مستندًا إلى عمقه التاريخي وإرادة شعبه وتلاحمه مع ملكه. الأوطان العريقة لا تستمد شرعيتها من شهادات الآخرين، وإنما من تاريخها واستمرارية دولتها وإرادة أبنائها. هذا هو الموقف الذي سيظل المغرب على ثباته عليه، دون أن يتزعزع أمام أي ضغط أو تصويت خارجي.
الديوان الملكي: نهاية المينورسو تسحب الصحراء من جدول مجلس الأمن
فرنسا تؤكد السيادة المغربية على الصحراء بعد الفيتو الروسي على مشروع قرار أمريكي






















