التشغيل والقدرة الشرائية في صدارة وعود الأحزاب قبل اقتراع 23 شتنبر

alyaoum30 alyaoum3023 سبتمبر 2026آخر تحديث :
التشغيل والقدرة الشرائية في صدارة وعود الأحزاب قبل اقتراع 23 شتنبر

التشغيل والقدرة الشرائية في صدارة وعود الأحزاب قبل اقتراع 23 شتنبر

مع اقتراب موعد الاقتراع التشريعي المقرر يوم 23 شتنبر الجاري، وقبل ساعات من دخول الحملة الانتخابية مرحلة “الصمت القانوني”، برز ملفان اقتصاديان بشكل واضح في صلب النقاش العمومي خلال الأيام العشرة الأخيرة التي مثلت الامتداد القانوني للحملة: التشغيل والقدرة الشرائية.

وبغض النظر عن التوجه السياسي لكل حزب أو تنظيم سياسي، سواء تعلق الأمر بمكونات الأغلبية الحكومية المنتهية ولايتها أو بأحزاب المعارضة بمختلف أطيافها، فإن معظم الخطابات الانتخابية والبرامج المعلنة تضمنت “إشارة مباشرة” إلى ارتفاع تكاليف المعيشة أو إلى إشكالية البطالة؛ في ظل تسجيل معدل البطالة الوطني 10.8 في المائة خلال الفصل الأول من سنة 2026، حسب معطيات رسمية صادرة عن المندوبية السامية للتخطيط.

القدرة الشرائية.. عنوان جامع

من بين العناوين البارزة في هذه الحملة الانتخابية ليس فقط حضور قضية القدرة الشرائية، بل أيضا حجم هذا الحضور وامتداده بين أحزاب ذات مرجعيات سياسية متباينة أحيانا؛ فسواء تعلق الأمر بتشكيلات شاركت في تدبير الشأن الحكومي خلال الولاية المنتهية أو بأحزاب ضمن المعارضة اليسارية أو الوسطية أو ذات المرجعية الإسلامية، فإن آليات المعالجة المقترحة، رغم اختلافها في التفاصيل والأرقام، تلتقي حول مجموعة من الوسائل المشتركة.

وسعيًا إلى استقطاب الناخبين والانسجام مع مطالبهم بخفض ارتفاع أسعار “القفة”، تقترح مجموعة من التنظيمات الحزبية المغربية إنشاء أو تعزيز آليات لمراقبة هوامش الربح داخل سلاسل التوزيع، خاصة في ما يتعلق بالمواد الغذائية الأساسية، من خلال تقوية صلاحيات “مجلس المنافسة” أو “إحداث شركات جهوية” تتولى اقتناء وتخزين وتوزيع المنتجات الفلاحية بهدف الحد من تأثير “الوسطاء”.

كما احتل مطلب “تخفيف العبء الضريبي على الأجور، سواء عبر إعادة تنظيم الأشطر الضريبية أو من خلال إعفاءات مباشرة لفائدة الأجور الدنيا والمتوسطة”، مكانة متقدمة ضمن عدد من مواثيق الالتزامات الحزبية.

وفي السياق ذاته، قدمت أحزاب أخرى مقترحات بشأن “رفع الحدود الدنيا للأجور والمعاشات”، إلى جانب دعوات من أكثر من تيار حزبي إلى “ربط الزيادات المستقبلية في الأجور والمعاشات بمعدل التضخم” بدل إخضاعها لمفاوضات دورية.

كما لم تختلف التصورات بشأن “مراجعة منظومة استهداف الدعم الاجتماعي المباشر”، عبر الانتقال بشكل تدريجي من الاعتماد على مؤشر رقمي إلى الاستهداف وفق الدخل الحقيقي للأسر، مع مطالب بعض الأطراف باستثناء فئات محددة (الأرامل، المطلقات، الأشخاص في وضعية إعاقة، المسنون دون دخل) من هذا “المؤشر”.

وتكررت أيضا مقترحات مرتبطة بفاتورة الطاقة والكهرباء في أكثر من برنامج حزبي؛ إذ تراوحت بين “مجانية جزئية للاستهلاك المنخفض” ووضع مؤشرات مرجعية تهدف إلى حماية الأسر من التقلبات السعرية.

“حرب الأرقام”

سجلت جريدة اليوم 30 تحولا لافتا خلال الأيام الأخيرة من الحملة، تمثل في انتقال النقاش نحو ما وصف بـ“حرب الأرقام”، بعدما انتقل الخطاب من عرض المبادئ العامة إلى تقديم مبالغ محددة: حدود دنيا مقترحة للأجور، ومنح شهرية للعاطلين من حاملي الشهادات العليا، ونسب للرفع من الأجور والمعاشات، بما يعكس توجه الأحزاب إلى مخاطبة الناخب بلغة الأرقام المباشرة أكثر من الاكتفاء بالشعارات.

واعتبر عدد من المتابعين للمشهد السياسي بالمغرب أن هذا التقاطع الواسع بشأن القدرة الشرائية يمثل إقرارا ضمنيا من مختلف الفاعلين بأن ارتفاع تكاليف المعيشة أصبح من أبرز مظاهر المعاناة التي تراكمت لدى الأسر المغربية خلال السنوات الأخيرة، بصرف النظر عن موقع كل حزب من السلطة.

التشغيل.. بين الأرقام الكبرى والمقاربات القطاعية

لا يقل ملف التشغيل أهمية عن القدرة الشرائية من حيث الحضور في البرامج الانتخابية، رغم اختلاف طرق معالجته من حزب إلى آخر؛ فبينما تراهن بعض الأحزاب على أرقام إجمالية كبيرة لمناصب الشغل الصافية المستهدفة خلال الولاية التشريعية المقبلة، مع أهداف محددة لتقليص معدل البطالة، تعتمد أحزاب أخرى مقاربة أكثر تحفظا ومرتبطة بالقطاعات، تركز على “تشغيل الشباب” و“تسهيل ولوج المقاولات الصغرى إلى الصفقات العمومية والتمويل البنكي”، دون الالتزام برقم إجمالي محدد.

ومع ذلك، تظهر مجموعة من النقاط المشتركة بين مختلف البرامج في هذا المجال، أبرزها إعطاء أولوية خاصة لفئة الشباب خارج التعليم والتكوين والشغل (NEET)، من خلال مسارات مواكبة فردية وبرامج تكوين تدريجي أكثر ارتباطا بمتطلبات سوق الشغل.

ويأتي ضمن الأولويات أيضا تسهيل وصول المقاولات الصغيرة والصغيرة جدا إلى التمويل والصفقات العمومية، عبر مقترحات تتضمن تخصيص نسب دنيا إلزامية من القروض البنكية أو من حجم الصفقات لفائدتها.

ويضاف إلى ذلك “دعم مقاولات شبابية عبر آليات الاحتضان والضمان والتمويل”، إلى جانب برامج “أول عقد شغل” التي تتحمل فيها الدولة جزءا مؤقتا من “كلفة التشغيل الأول”، فضلا عن رفع معدل النشاط الاقتصادي للنساء من خلال إجراءات مواكبة تشمل دور الحضانة والنقل الآمن وأطر العمل عن بعد.

“اختبار الجدوى”

أمام هذا التقاطع الواسع حول أولويتي التشغيل والقدرة الشرائية، يطرح عدد من الخبراء الاقتصاديين والباحثين تساؤلات بشأن مدى إمكانية تنفيذ هذه الوعود؛ إذ حذر محللون اقتصاديون من صعوبة الوفاء بالتزامات انتخابية كبيرة في حال غياب موارد مالية كافية، في ظل “عجز موازناتي مزمن” يتراوح بين 3 في المائة و4 في المائة.

كما تشير قراءات أخرى إلى أن النقاش المرتبط بإحداث فرص الشغل لا يمكن فصله عن فرضيات النمو والقطاعات القادرة فعليا على استيعاب أعداد مهمة من الوظائف، إذ إن الإعلان عن معدل نمو مرتفع لا يضمن بالضرورة انعكاسا مباشرا ومتوازنا على سوق العمل.

ويؤكد باحثون في العلوم السياسية أن “مشروعية أي وعد انتخابي لا تعني بالضرورة سهولة تنفيذه”، إذ قد يحتاج إلى تعديلات تشريعية أو تعبئة موارد مالية إضافية أو تنسيق مؤسساتي معقد قبل أن يتحول إلى سياسة عمومية قائمة.

وترى تحليلات أخرى أن جدية البرامج الاجتماعية ترتبط بواقعية الوعود ومدى قابليتها للتمويل وقدرتها على الاستجابة للحاجيات الفعلية، مع ضرورة التمييز بين مقاربتين: تدبير الهشاشة عبر آليات الدعم المباشر، أو معالجة الأسباب البنيوية للفقر والبطالة والتفاوتات الاجتماعية والمجالية.

خلفية اقتصادية تفسر “سخونة النقاش”

يأتي هذا التركيز الحزبي المكثف على التشغيل والقدرة الشرائية في سياق اقتصادي ملموس يفسر جانبا من حدة النقاش؛ فقد حقق الاقتصاد الوطني نموا بنسبة 4.9 في المائة خلال السنة الماضية (2025)، مع توقعات بنمو يقارب 5 في المائة خلال السنة الحالية (2026)؛ وهي مؤشرات إيجابية في ظاهرها، لكنها لم تنعكس بالضرورة بالوتيرة نفسها على سوق الشغل ومستوى معيشة الأسر.

أما على مستوى الأسعار، فقد كشفت أحدث معطيات المندوبية السامية للتخطيط الخاصة بشهر غشت 2026 عن وضع متباين: انخفاض أسعار المواد الغذائية بنسبة 3.9 في المائة مقارنة بالشهر نفسه من السنة الماضية، مقابل ارتفاع أسعار المواد غير الغذائية بنسبة 2.5 في المائة، خاصة المحروقات؛ وهو تفاوت يعكس إلى حد كبير الإحساس المزدوج لدى المواطن المغربي بين تحسنات محدودة في بعض المجالات واستمرار ضغوط أخرى على ميزانية الأسرة.

وبين هذا الواقع الاقتصادي المركب، وحجم الوعود الانتخابية الكبيرة التي ميزت الأيام الأخيرة من الحملة، تدخل “تشريعيات 23 شتنبر 2026” مرحلة اختبار مزدوج: اختبار قدرة البرامج على إقناع الناخب أولا، ثم اختبار لاحق بعد الإعلان عن النتائج وتشكيل الحكومة الجديدة بشأن إمكانية تحويل هذه الوعود نفسها من أرقام مكتوبة إلى سياسات عمومية ملموسة قابلة للقياس والمساءلة.

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

نستخدم ملفات الكوكيز لنسهل عليك استخدام موقعنا الإلكتروني ونكيف المحتوى والإعلانات وفقا لمتطلباتك واحتياجاتك الخاصة، لتوفير ميزات وسائل التواصل الاجتماعية ولتحليل حركة الزيارات لدينا...لمعرفة المزيد

موافق