خطاب الملك أمام البرلمان: من تشخيص المشكلات إلى مسؤولية التنفيذ في الميدان
أجمع خبراء وأكاديميون متخصصون في التنمية والحكامة الترابية على أن الخطاب الملكي أمام البرلمان، في افتتاح الدورة التشريعية الأولى للولاية الثانية عشرة، يمثل تحولًا من تشخيص المشكلات إلى مساءلة التنفيذ.
الرهان، كما حددته توجيهات الملك محمد السادس، هو العمل الميداني على المستوى الترابي، مع نقل الصلاحيات والموارد من المركز إلى الجهات والأقاليم، بما في ذلك إنهاء التأخر في تطبيق ميثاق اللاتمركز الإداري.
رسالة الخطاب: أولوية الميدان
يرى طارق مودن، الباحث في التنمية الترابية، أن الخطاب يمثل محطة حاسمة تطمئن الفاعلين وتضع التنمية الترابية في قلب الأولويات. رسالته الأساسية تكمن في انتقال هذه التنمية من مرحلة الطموحات والنصوص النظرية إلى التنفيذ الملموس، مع التأكيد على أن النزول الميداني لفهم مشاكل كل منطقة هو المفتاح لتلبية احتياجات المواطنين.
في تعليق على الخطاب، يشخص مودن واقعًا يعاني من تأخر في تنزيل اللامركزية واللاتمركز الإداري، حيث يبرز عوائق مثل نقل غير كامل للاختصاصات نحو الجهات، نقص في الموارد البشرية والمالية محليًا، وغموض في توزيع الأدوار بين المركز والفاعلين المحليين. ويؤكد أن تسريع اللاتمركز هو شرط أساسي لنجاح الجهوية المتقدمة.
من إعلان البرامج إلى تنفيذها
يرى رضوان اعميمي، الباحث في القانون العام والعلوم الإدارية، أن الخطاب لا يقتصر على عرض الأولويات الجديدة، بل يحدد طريقة عمل المرحلة المقبلة، حيث يدعو إلى الانتقال من مقاربة تنموية عامة إلى تدخلات تستجيب لحاجات كل جهة وإقليم.
ويؤكد اعميمي، في تصريح لاليوم 30، أن الخطاب يشير بوضوح إلى ميثاق اللاتمركز الإداري لعام 2018، مشيرًا إلى أن استمرار التأخر في تنفيذه لم يعد مقبولًا. ويقرأ في ذلك طلبًا يتجاوز حضور الدولة في الميدان، ليشمل تمكينها من اتخاذ القرارات والمساهمة الفعالة في تنفيذ المشاريع.
ويفرق الباحث بين مساران متكاملين: الجهوية المتقدمة، التي تعزز دور المجالس المنتخبة في التنمية الترابية، واللاتمركز الإداري، الذي يمنح المصالح الخارجية للدولة الصلاحيات لتنفيذ السياسات العمومية محليًا. ويؤكد أن التكامل بينهما لا يكتمل إلا بتوضيح الاختصاصات وتنسيق العمل بين الإدارات وتوفير الموارد وربط المسؤولية بالمحاسبة.
ما بعد الميزانيات: قياس الأثر
يلتقي مودن واعميمي على معيار واحد للنجاح: النتائج التي يشعر بها المواطن. بينما يرى مودن أن التحدي الآن لا يكمن في تمويل المشاريع، بل في ضمان نجاعتها بجودة الخدمات وفرص المتاحة، يربط اعميمي نجاح التنمية الترابية بقدرة المؤسسات على تنفيذ المشاريع في الوقت المناسب وبنتائج ملموسة للسكان.
ويؤكد مودن أن هذا التحول يتطلب من الحكومة المقبلة التخلي عن الأساليب التقليدية، واعتماد منطق حكامة جديد يقوم على توضيح الأدوار بين الدولة والجهات، وتعزيز التنسيق لتحقيق تناسق السياسات، فضلاً عن إرساء آليات التعاقد لتحديد الالتزامات والمسؤوليات، ومنح الجهات صلاحيات حقيقية للقرار والتنفيذ.
لا رجعة: الخيار محسوم
يضيف عبد الفتاح الثقة، الباحث في الحكامة الترابية، أن التوجيهات الملكية في الخطب السابقة حسمت خيار الدولة، وأن هناك “لا رجعة” عن تنزيل اللاتمركز والجهوية المتقدمة بشكل كامل. ويؤكد أن تحديد نقل الاختصاصات يُسقط جميع التبريرات الممكنة.
ويشدد الثقة على أن الجهوية واللاتمركز يجب أن يسيران جنبًا إلى جنب، وأن التأخر في تنزيلهما يحد من القدرة على استجابة انشغالات المواطنين، ما يجعل العمل أكثر استعجالًا وضرورة.
المشكلة في التنفيذ، لا في النصوص
يؤكد الثقة أن المشكلة الآن لا تكمن في الترسانة القانونية، حيث جرى تنزيل المشاريع وتوفير الميزانيات وتفعيل تفويض الاختصاصات. التحدي الحقيقي، في نظره، هو الانتقال إلى التنفيذ الميداني الفعلي داخل المجال الترابي.
ويؤكد دور القطاع الخاص في هذا السياق، داعيًا إلى توجيه استثماراته نحو الجهات والمناطق المهمشة، مع تمكين الجهات من الدعم المالي والبشري اللازمين. هذا يتفق مع رؤية مودن، الذي يدعو إلى إدماج القطاع الخاص في صياغة استراتيجيات وطنية دقيقة في قطاعات الماء والطاقة والأمن الغذائي والصناعة والبنية التحتية، لضمان توزيع عادل للاستثمارات وفرص العمل.
من يتحمل المسؤولية؟
عند طرح سؤال المسؤولية، يشير الثقة إلى أن الكرة الآن في ملعب “الفاعل الترابي” في مفهومه الشامل، من المواطن والمنتخبين إلى السلطات الإقليمية والقطاعات الوزارية. ويؤكد أن جميع الأطراف يجب أن تعمل معًا للتنسيق والتنفيذ.
ويلتقي هذا مع أسئلة اعميمي: هل ستنقل الصلاحيات والموارد فعلًا؟ وهل ستتمكن الجهات من اتخاذ القرارات والمساهمة في التنفيذ؟ ويؤكد أن الإجابة على هذه الأسئلة ستحدد ما إذا كانت التنمية الترابية ستتحول من توجيهات إلى واقع ملموس. أما مودن فيذكر أن الجهوية في جوهرها “أداة حكامة ووسيلة عمل لخدمة المواطن، لا غاية في ذاتها”.





















