“`html
العنف اللفظي والجسدي يعيد شخصنة التنافس السياسي في المغرب
لم تمضِ سوى ساعات قليلة على الانطلاقة الرسمية للحملة الانتخابية حتى ظهرت مشاهد توتر بين أنصار عدد من المرشحين، بعدما تحولت بعض التجمعات والأنشطة المرتبطة بالحملة خلال يومها الأول إلى ساحات لتبادل العنف اللفظي والجسدي، كما وقع، على سبيل المثال، في مدن برشيد والداخلة وسطات، في وقائع أعادت طرح إشكالية طبيعة التنافس الانتخابي ومدى احترامه لقواعد التنافس السياسي السلمي.
وفي الوقت الذي يفترض أن تكون فيه الحملة الانتخابية مناسبة لعرض البرامج والتصورات والتنافس بشأن البدائل السياسية، كشفت بعض الأحداث المسجلة أن حدة المنافسة قد تنحرف أحيانا نحو تبادل الشتائم والسباب، بل تطورت في بعض الحالات إلى تبادل اللكمات وتخريب المقرات، وهو ما يثير تساؤلات بشأن أسباب استمرار هذه الممارسات وانعكاساتها على صورة العملية الانتخابية وثقة المواطنين في المشاركة السياسية.
وفي هذا الإطار، اعتبر محمد شقير، الباحث في العلوم السياسية، أن الحملة الانتخابية الحالية “لا تقدم جديدا من هذه الناحية”، مشيرا إلى أن الانتخابات اعتادت أن تكون مصحوبة بأحداث قد تصل أحيانا إلى “القتل بين أنصار المرشحين”، خاصة في بعض “البوادي والمناطق القروية”.
وأوضح شقير، في تصريح لليوم 30، أن هذا الوضع يعكس، إلى حد ما، قوة المنافسة الانتخابية، مبرزا أن الأسباب الأساسية لهذا النوع من التفاعل والتعامل ترتبط بـ“شخصنة الانتخابات”، معتبرا أن هذا المعطى يشكل أحد عناصر الثقافة السياسية في المغرب.
وانطلاقا من ذلك، أوضح الباحث في العلوم السياسية أن “المنافسة لم تعد دائما تُفهم باعتبارها صراعا بين البرامج أو تنافسا بين المؤسسات، بل تتحول العملية إلى مواجهة شخصية بين أنصار مرشح معين ومؤيدي مرشح آخر، يتصارعون فيما بينهم ضمن إطار يشبه ساحة معركة”، مضيفا أن “هذه الممارسات تتزايد وتظهر بصورة أوضح في بعض المناطق ذات الطابع القروي أو البدوي”، ومشيرا إلى أن “هذه البيئات يغلب عليها طابع ترتفع فيه حدة الشخصنة والولاء الشخصي والصراعات الفردية”.
وأكد الباحث نفسه أن هذا الواقع يعكس، حسب تعبيره، “ضعف الثقافة السياسية أولا، وعدم قدرة الأحزاب المؤطرة على تأطير أعضائها سياسيا ثانيا”، مرجعا ذلك إلى أن نسبة مهمة من المرشحين الجدد هم من “الأعيان”، وهو ما “يمنح اللعبة الانتخابية والسياسية في المغرب طابعا شخصيا”.
واختتم محمد شقير حديثه بالقول إن هذا الطابع الشخصي يدفع إلى اعتماد هذا النوع من التعامل بدل فتح نقاش سياسي حول المطالب، موضحا أن “هذا يؤدي إلى التدافع والصراع مع الآخر، خصوصا عندما تتداخل في العملية الانتخابية الانتماءات القبائلية والإقليمية”.
من جهته، أكد عبد الرحيم العلام، أستاذ العلوم السياسية، أن هذه الممارسات تمثل أشكالا من التنافس “لا علاقة لها بالديمقراطية ولا بالتنافس الحر”، موضحا أن الأشخاص الذين يمارسون هذه السلوكيات ينتمون إلى مرحلة “ما قبل المجتمع المدني”.
وأوضح العلام، في تصريح لليوم 30، أن المجتمع المدني يؤمن بأن الدولة هي الجهة الوحيدة التي تحتكر العنف، وأن الأفراد، في حال وجود ملاحظات أو مؤاخذات لديهم، ينبغي أن يتوجهوا إلى القضاء.
وأضاف الأستاذ الجامعي ذاته أن التفسير الثاني يرتبط بمسؤولية الأحزاب السياسية، باعتبارها لم تعمل على تأطير أعضائها، مشيرا إلى أن هؤلاء الفاعلين قد لا يكونون حتى منخرطين بشكل رسمي في الأحزاب، وإنما مجرد أشخاص يشتغلون معها مقابل أجر مادي، ومتسائلا في هذا الصدد: “إذا كانت الأحزاب غير قادرة على تأطير أعضائها فكيف يمكنها أن تؤطر المجتمع؟”.
وأشار المتحدث نفسه إلى أن هؤلاء الأشخاص يسعون إلى إنجاح مرشحيهم في الانتخابات من أجل خدمة الصالح العام، معتبرا أن هذه الغاية، رغم نبالتها، لا تبرر الوسيلة المعتمدة، ومؤكدا أن هذا النموذج من الممارسات يساهم في تراجع ثقة المواطنين، ويدفع الناس إلى مزيد من الابتعاد عن الأحزاب السياسية وعن المشاركة الانتخابية؛ كما شدد على أن مثل هذه السلوكيات لا تشجع بأي شكل على الممارسة السياسية.
وفي نهاية تصريحه، شدد العلام على ضرورة أن تفعل السلطات المختصة إجراءات عاجلة لمعاقبة هؤلاء الأفراد، ما دامت البلاد تعيش مرحلة الحملة الانتخابية، داعيا في الوقت نفسه إلى إصدار أحكام قضائية مستعجلة بما يحقق “التربية والردع” بالنسبة إلى الآخرين.
“`






















