الرباط: أساتذة جامعيون يسلطون الضوء على نهاية بعثة المينورسو وتحولات قضية الصحراء
توقف خبراء مغاربة في ندوة دولية بالرباط، اليوم الثلاثاء، عند التطورات الأخيرة في ملف الصحراء، خاصة بعد فشل مجلس الأمن في تمديد بعثة المينورسو للمرة الثانية على التوالي، مؤكدين أن هذه الخطوة تفتح باب مرحلة جديدة في تدبير هذا النزاع المفتعل. وقد استعرضت الندوة، التي احتضنتها كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية بالسويسي، المسار المستقبلي للقضية الوطنية، مع تحليل التحديات السياسية والدبلوماسية التي تواجهها المملكة في المرحلة المقبلة، في ظل الذكرى الأولى لعيد الوحدة الترابية.
أشارت المشاركات إلى أن قرار مجلس الأمن في أكتوبر الماضي، الذي أدى فعليًا إلى إنهاء الغطاء القانوني للبعثة، جاء نتيجة تعارض بين المشروعي القرار الأمريكي والروسي، حيث لم يتمكن المجلس من التوصل إلى اتفاق. وقد أكد المتحدثون على أن هذه الخطوة ليست مجرد انقطاع إداري، بل هي تحول استراتيجي يغير من طبيعة إدارة النزاع، ويضع المغرب أمام فرص جديدة لتسوية الملف على أساس المبادرة المغربية للحكم الذاتي، التي كرسها القرار الأممي 2797 في 2025.
في هذا السياق، شدد عباس الوردي، أستاذ القانون العام في الكلية نفسها، على أن اتفاقية مدريد عام 1975 كانت محطة حاسمة في ترسيخ الوحدة الترابية للمغرب، حيث واجهت الرباط خلال تلك الفترة استهدافًا ممنهجًا من دول حاقدة عارضت المشروع التنموي والسياسي الذي قادته المملكة. وأوضح الوردي أن جبهة البوليساريو تأسست على أنقاض “الحركة الجنينية لتحرير الساقية الحمراء ووادي الذهب”، نتيجة تلاقي أطماع خارجية استهدفت استقلال المغرب ووحدته الترابية. وأشار إلى أن المؤسسة الملكية في المغرب قد أثبتت عبر التاريخ قدرتها على إدارة الخلافات عبر الحوار البناء، مقابل النهج التصعيدي الذي اعتمده خصوم المملكة، مثل الجزائر، التي تتحكم في دواليب الحكم في المنطقة وتفتقر إلى نهج دبلوماسي مدني قائم على حل النزاعات.
من جانبه، حمّل الوردي الجهات المموِّلَة للتنظيم الانفصالي مسؤولية المعاناة اليومية لسكان مخيمات تندوف، مؤكدًا أن هذه المخيمات تفتقر إلى صفة مخيمات اللجوء، وأن المساعدات الإنسانية الموجهة إليها تُسرق أو تُحول دون الوصول إلى الفئات الأكثر احتياجًا، مثل الأطفال والنساء والشيوخ. وأشار إلى تقارير أممية ودولية نددت بتحويل المساعدات، مما يسلط الضوء على الدور المزدوج للجزائر في هذا الملف، حيث تتحكم في الموارد وتضفي الشرعية على تنظيم لا يمثل سوى واجهة عسكرية تحت قيادتها.
في تحليل أعمق، أوضح الوردي أن جبهة البوليساريو ليست أكثر من واجهة تُحركها المؤسسة العسكرية الجزائرية، والتي تتسبب في توتر العلاقات حتى مع دول الجوار الإفريقي مثل مالي والنيجر وبوركينا فاسو. وأكد أن هذا النهج التصعيدي لا يضر بالمغرب فقط، بل يمتد إلى محاولة زرع بذور الفتنة في الفضاء المغاربي والحدود المجاورة، مما يجعل هذا النزاع معاناة إقليمية لا محلية.
في إطار قانوني، أشار الوردي إلى أن “الرأي الاستشاري الصادر عن محكمة العدل الدولية” يظل مرجعًا حاسمًا يؤكد سيادة المغرب وحقه التاريخي على أراضيه، مشيرًا إلى أن المملكة لا تفاوض على صحرائها، بل تحتم إلى مبادئ الشرعية الدولية لمعالجة هذا النزاع. وأكد أن المغرب يستند إلى المرجعية القانونية الدولية، بما في ذلك قرار محكمة العدل الدولية، في رفض أي مفاوضات على السيادة الترابية، ودعوة إلى حل دبلوماسي قائم على المبادرة المغربية للحكم الذاتي.
في الوقت نفسه، أكد محمد عصام العروسي، المدير العام لمركز منظورات للدراسات الجيو-سياسية والاستراتيجية، أن قضية الصحراء المغربية تمر بمرحلة دقيقة تتطلب مراجعة الأبعاد الاستراتيجية للتحول في المرجعية الأممية. وأشار إلى أن موضوع تفعيل الحكم الذاتي يفرض تبني مقاربة تدخلية متكاملة، خاصة بعد القرارات الأممية الأخيرة التي كرست المبادرة المغربية وتنفي أي إمكانية للاستفتاء. وأوضح أن الزخم الدبلوماسي الذي حققته الرباط، بما في ذلك الاعتراف الأمريكي في ديسمبر 2020 وتأييد قوى كبرى كفرنسا وألمانيا وإسبانيا، أدى إلى تراجع ملحوظ في الاعتراف بالكيان الوهمي، مما يعكس نجاح الدبلوماسية المغربية في ترسيخ قواعد جديدة.
من ناحية أخرى، أشار العروسي إلى أن هذا التقدم يواجه تعقيدات قانونية وسياسية، منها تفكيك العلاقة بين تقرير المصير والحكم الذاتي، حيث يرتكز الطرح المغربي على تطابق المفهومين المؤديين إلى النتيجة ذاتها. وأشار إلى أن جبهة البوليساريو لا تمثل سوى فصيل ضعيف لا يملك شرعية تمثيلية، وأن الحسابات الجيو-سياسية الدولية تنافس على مناطق النفوذ، مما يجعل من هذا الملف جزءًا من لعبة المصالح العالمية. وأكد أن الموقف الروسي واستخدام حق النقض الفيتو يندرج ضمن التنافس مع واشنطن، بينما تظل آليات مجلس الأمن الدولية غير منصفة، مما يسلط الضوء على الحاجة إلى دبلوماسية أكثر فعالية.
في ختام مداخلته، أوضح العروسي أن الدبلوماسية المغربية استطاعت ترسيخ قواعد جديدة ترتكز على الانتقال من إدارة الوضع القائم إلى المرجعية التفاوضية القائمة على المفاوضات المباشرة، مع إقرار المسؤولية السياسية والقانونية المباشرة للجزائر كطرف رئيسي في النزاع. وأكد على أهمية التثبيت الفني للاتفاق الإطار المستند إلى القرار 2797، ومواصلة حشد الاعتراف الدولي بمغربية الصحراء، وتشديد الضغط الخارجي على الجزائر، معتبرًا أن آفاق التغيير ما زالت مفتوحة على خيارات متعددة تقود إلى تصفية هذا النزاع.
أما عبد العالي حامي الدين، أستاذ العلوم السياسية والقانون الدستوري بكلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية باكدال، فقد بيّن أن إنهاء مهام بعثة المينورسو لم يكن نتيجة قرار صريح من مجلس الأمن، بل كان نتيجة طبيعية لعجز المجلس في جلسة أكتوبر 2026 عن اعتماد أي من مشروعي القرارين الأمريكي والروسي. وأشار إلى أن المشروع الأمريكي حظي بتأييد 11 صوتًا، بينهم ثلاثة أعضاء دائمين، مقابل فيتو روسي منفرد وامتناع ثلاثة أعضاء، مما أدى إلى فشل التمديد. وأوضح أن هذا المشروع تضمن تحولات جوهرية، منها اعتماد الحكم الذاتي كأساس للمفاوضات ونزع الصفة التمثيلية الحصرية عن جبهة البوليساريو، فضلاً عن السعي لحذف وظيفة الاستفتاء من اسم البعثة.
من الناحية القانونية، سجل حامي الدين أهمية النصين المرجعيين اللذين تليتا جلسة مجلس الأمن: الأول هو بلاغ الديوان الملكي الذي أعلن إنهاء البعثة بعد انعدام وظائفها الميدانية، والثاني هو بيان المتحدث باسم الأمين العام للأمم المتحدة، ستيفان دوجاريك، الذي رسّم أمميًا إطلاق مرحلة التصفية بإشراف فريق مصغر. وأكد أن المغرب وظف الفيتو الروسي كفرصة لإنهاء أطول مسلسل مأسسة الجمود دام نحو 35 عامًا، وتجريد النزاع من رمزيته الدولية على الأرض.
فيما يتعلق بالسيناريوهات المستقبلية، رأى حامي الدين أن المرحلة المقبلة تحتكم لسيناريوهين أساسيين. السيناريو الأول يتسم بـانتقال مضبوط يواصل فيه المغرب التزامه بوقف إطلاق النار ويعزز دينامية فتح القنصليات وتدفق الاستثمارات التنموية، مقابل تراجع دور المبعوث الشخصي. أما السيناريو الثاني، فيتمثل في مسار تفاوضي برعاية الولايات المتحدة خارج أروقة مجلس الأمن، يرتكز حصرًا على مبادرة الحكم الذاتي.
وأكد حامي الدين استبعاد فرضية التصعيد العسكري، مشيرًا إلى الخلل الصريح في موازين القوى لصالح القوات المسلحة الملكية، بالإضافة إلى وجود كوابح إقليمية ودولية ترفض الانزلاق نحو الحرب، معتبرًا أن أي تصعيد لن يكون في صالح أحد في النهاية. وأشار إلى أن المغرب قد أودع الملف أمام اللجنة الرابعة لتصفية الاستعمار في 1963، قبل أن تحرفه الدعاية المضادة خلال الحرب الباردة، مما يسلط الضوء على أهمية تصفية هذا الملف عبر آليات دبلوماسية قانونية.
ولد الرشيد: تطورات جديدة في ملف الصحراء تفتح طريقًا لإنهاء المعاناة في تندوف
مركز مغربي يدعو لتعبئة أكاديمية وقانونية لمواكبة ملف الصحراء






















