أنبوب الغاز الأطلسي.. كيف يغير مشروع نيجيريا–المغرب خريطة الطاقة في غرب إفريقيا؟
يتناول محمد عصام لعروسي، المدير العام لمركز منظورات للدراسات الجيوسياسية والاستراتيجية بالمغرب، في مقال تحليلي نشر هذا الشهر في العدد الجديد من مجلة «درع الوطن» الإماراتية، التحولات الجارية في خريطة الطاقة الإفريقية، ودور المشاريع الطاقية الكبرى في إعادة تشكيل موازين القوى والتكامل الإقليمي.
تركز دراسته على مشروع أنبوب الغاز الأطلسي بين نيجيريا والمغرب، مستعرضًا أبعاده الاقتصادية والجيوسياسية، وانعكاساته على دول غرب إفريقيا ومنطقة الساحل، فضلًا عن رهاناته المتعلقة بالأمن الطاقي والعلاقات الإفريقية–الأوروبية، والتحديات التي قد تواجهه في مرحلة التنفيذ.
نص المقال:
في القرن الحادي والعشرين باتت مصادر الطاقة أداة استراتيجية لإعادة رسم موازين القوى، وبناء تحالفات إقليمية ودولية. إذ أصبح تداخل الجغرافيا والطاقة والأمن يبرز مفهوم «الجيوسياسة الطاقية»، حيث تحولت شبكات نقل الطاقة إلى امتدادات لجغرافيا الدول، وتؤثر بشكل مباشر على سياساتها الخارجية وأمنها القومي، وتحدد موازين القوى على المستويين الإقليمي والدولي.
كشفت الحرب الروسية–الأوكرانية هشاشة منظومة الأمن الطاقي العالمي، وأبرزت ارتباط أمن الطاقة بأمن الدول الاستراتيجي. مع توقف إمدادات الغاز الروسي عبر خطي نورد ستريم، دخل العالم مرحلة جديدة من إعادة التفكير في مصادر الطاقة ومساراتها، وبرزت الحاجة إلى تنويع الشركاء وتقليص الاعتماد على المورد الواحد.
هذه التحولات، التي وصفها المفكر الجيوسياسي الفرنسي فرانسوا ثوال بـ«الانقطاعات في مجرى التاريخ»، تفرض على الدول مراجعة تصوراتها الجيوسياسية، وبناء مقاربات جديدة تتناسب مع التحولات البنيوية للنظام الدولي.
في هذا السياق، برزت القارة الإفريقية كفضاء جيوسياسي صاعد، ليس فقط بسبب احتياطاتها الطبيعية الضخمة، بل بسبب موقعها الاستراتيجي الذي يربط بين المحيط الأطلسي والبحر الأبيض المتوسط والبحر الأحمر والمحيط الهندي. أصبحت إفريقيا محورًا للتنافس بين القوى الكبرى، التي تسعى إلى ضمان الوصول إلى مواردها، وتأمين سلاسل الإمداد، وترسيخ نفوذها السياسي والعسكري والاقتصادي داخل القارة.
ورغم هذه المزايا، تواجه إفريقيا تحديات بنيوية تعيق تحويل ثرواتها إلى أدوات للتنمية، مثل هشاشة المؤسسات السياسية والاقتصادية، وتنامي الانقلابات العسكرية، وتصاعد نشاط التنظيمات الإرهابية، فضلًا عن ضعف التكامل الاقتصادي والإقليمي. لهذا أصبح الاستثمار في مشاريع البنية التحتية القارية الكبرى خيارًا استراتيجيًا لتجاوز هذه التحديات، وتعزيز الترابط الاقتصادي، وترسيخ الاعتماد المتبادل، وإنتاج فضاءات جديدة للاستقرار والتنمية.
في هذا الإطار، يبرز مشروع أنبوب الغاز الأطلسي بين نيجيريا والمغرب كأحد أهم المشاريع الجيو-اقتصادية والجيوسياسية التي عرفتها القارة في العقود الأخيرة. فهو ليس مجرد مشروع لنقل الغاز، بل مبادرة استراتيجية تعيد رسم خريطة الطاقة لغرب إفريقيا، وتؤسس لمحور اقتصادي يمتد من خليج غينيا إلى البحر الأبيض المتوسط، مما يمنح القارة دورًا أكثر تأثيرًا في معادلات الأمن الطاقي العالمي.
—
أولا: أنبوب الغاز الأطلسي.. مشروع اقتصادي بهندسة جيوسياسية
يمتد المشروع على مسافة تقارب 6900 كيلومتر، يربط حقول الغاز النيجيرية بالساحل الأطلسي الإفريقي، مرورًا بثلاث عشرة دولة، قبل وصوله إلى المغرب واتصاله بالشبكة الأوروبية عبر خط أنبوب المغرب–أوروبا. منذ إطلاقه في عام 2016 تحت رعاية الملك محمد السادس والرئيس النيجيري الراحل محمد بخاري، تطور المشروع إلى مبادرة قارية تحظى بدعم متزايد من المؤسسات الإقليمية والدولية.
تجاوز أهمية المشروع تأمين إمدادات إضافية للغاز لأوروبا، إذ يمثل أداة للدبلوماسية الطاقية، ومنصة لتعزيز التكامل الإقليمي في غرب إفريقيا، وآلية لإعادة توجيه طرق التجارة والاستثمار على امتداد الواجهة الأطلسية للقارة. كما يسهم في تعزيز السيادة الطاقية للدول الإفريقية، وتحفيز التصنيع، وتطوير البنية التحتية، وتقليص الفوارق التنموية، فضلًا عن الحد من مسببات الهجرة غير النظامية والتطرف عبر توفير فرص التنمية.
من منظور الجيوسياسة الكلاسيكية، يعتبر هذا المشروع نموذجًا لما وصفه إدوارد لوتواك بـ«الجيو-اقتصاد»، حيث تحل أدوات الاقتصاد والطاقة والاستثمار محل القوة العسكرية في تحقيق المصالح الاستراتيجية. ينسجم هذا التوجه مع رؤية زبيغنيو برزينسكي، التي ترى أن السيطرة على الممرات الاستراتيجية وشبكات الاتصال والموارد الحيوية تشكل أحد أهم محددات المكانة الدولية في القرن الحادي والعشرين. لهذا يكتسب المشروع أهمية استراتيجية تتجاوز أبعاده الاقتصادية، إذ يؤسس لبنية تحتية إقليمية ذات آثار بعيدة المدى على منظومة الطاقة والتكامل في غرب إفريقيا.
—
ثانيا: منظمة إيكواس ومنظومة التكامل الإقليمي
في 19 يوليو 2026، وقّع رؤساء الدول والحكومات الأعضاء في الجماعة الاقتصادية لدول غرب إفريقيا (إيكواس) الاتفاقية الدولية المنظمة لمشروع أنبوب الغاز الأطلسي الإفريقي. تهدف الاتفاقية إلى ربط حقول الغاز في دلتا النيجر بالمغرب، ومنه إلى شبكة الغاز الأوروبية.
على المستوى الظاهري، قد يبدو الأمر مجرد اتفاق جديد في مجال الطاقة، غير أنه يمثل تحولًا مؤسساتيًا وإستراتيجيًا يتجاوز أبعاده إلى بنية التعاون الإقليمي والعابر للقارات. فقد سبق لوزراء الطاقة في دول إيكواس أن اعتمدوا الاتفاقية في نوفمبر 2024، وصادق مؤتمر رؤساء الدول والحكومات على مبادئها بعد شهر واحد، لكن التوقيع الذي جرى في فريتاون يرفع المستوى السياسي والمؤسساتي للمشروع. فالاتفاق الذي يوقعه ثلاثة عشر رئيس دولة يرقى إلى مستوى الالتزام السيادي، في مقابل اتفاقيات سابقة كانت ترتب التزامًا إداريًا وتنفيذيًا فقط.
هذا الانتقال من المستوى التنفيذي إلى المستوى السياسي هو ما يمنح المشروع بعدًا جيوسياسيًا وإستراتيجيًا يتجاوز كونه مجرد مشروع لنقل الغاز، ليصبح ركيزة لإعادة تشكيل منظومة التكامل الإقليمي والطاقة في الفضاء الأطلسي الإفريقي.
لم تغب دلالة هذا الحدث عن أنظار المراقبين، حيث شهدت القمة التاسعة والستين لإيكواس تقدمًا مؤسساتيًا في المشروع، رغم أن المنظمة تواجه تحديات في إصلاح القوة الاحتياطية الإقليمية، التي تواجه حالة من الجمود بسبب الخلافات حول آليات التنفيذ. وعلى الرغم من أن مستودعها اللوجستي بمدينة لونغي اكتمل بنسبة 95%، فإن هذا التباين يعكس مفارقة: بينما تعثر البنية الأمنية للمنظمة، تحرز البنية الطاقية تقدمًا ملموسًا.
وتكشف هذه المفارقة عن تحول في أولويات إيكواس، التي تسعى، بعد انقسام تحالف دول الساحل، إلى تحقيق إنجاز استراتيجي يعزز مكانتها الإقليمية ويعيد تأكيد قدرتها على قيادة مشاريع التكامل في غرب إفريقيا. لهذا أصبحت الدبلوماسية الطاقية أداة رئيسية تراهن عليها المنظمة لتعويض تعثر مسارها الأمني والاقتصادي، وترسيخ دورها كفاعل رئيسي في إعادة تشكيل الفضاء الجيوسياسي والاقتصادي لغرب القارة.
—
ثالثا: دول الساحل تستفيد من المشروع وإن لم تكن من الدول الموقعة
على الرغم من الخلاف بين إيكواس وتحالف دول الساحل (مالي وبوركينا فاسو والنيجر)، لم يمنع هذا الدول الثلاث من الاستفادة من نطاق المشروع الاستراتيجي. فالدول الساحلية الحبيسة في منطقة الساحل ستستفيد من شبكات الربط الإقليمي المزمع إنشاؤها مستقبلًا، رغم أنها ليست أطرافًا موقعة على الاتفاقية.
هذا الإدماج يعكس ظاهرة مهمة تتمثل في فصل الاعتبارات السياسية عن التعاون الاقتصادي الاستراتيجي. فبينما تواصل الانقسامات المؤسسية، يستمر التعاون في المشاريع الاقتصادية الكبرى التي تعد ذات أهمية إقليمية كبيرة.
يرتبط هذا التوجه بمبادرة الملكية الأطلسية التي أعلن عنها الملك محمد السادس في 6 نوفمبر 2023، والتي تهدف إلى تمكين الدول الإفريقية غير الساحلية (مالي وبوركينا فاسو والنيجر وتشاد) من الوصول إلى المحيط الأطلسي عبر البنية التحتية المغربية، مع جعل ميناء الداخلة الركيزة الأساسية للمشروع. وبادر وزراء خارجية هذه الدول إلى إضفاء الطابع الرسمي على انخراطهم في المبادرة خلال الاجتماع الذي عقد في مراكش ديسمبر 2023، قبل أن تبنى إيكواس رسميًا مشروع أنبوب الغاز الأطلسي الإفريقي.
ومع ذلك، فإن هذا المسار لا يزال في مرحلة التصور السياسي أكثر منه التنفيذية، حيث لا توجد حتى الآن أجندة زمنية معلنة لإنجاز شبكات الربط الغازي التي ستصل إلى دول الساحل. لذا، فإن إدماج هذه الدول في المشروع يظل إطارًا استراتيجيًا وتصورًا سياسيًا أكثر منه مشروعًا تنفيذيًا محدد المراحل.
وتكتسي هذه المقاربة أهمية جيوسياسية، حيث تعكس توجهًا جديدًا في إدارة مشاريع التكامل الإقليمي، يقوم على تحييد الخلافات السياسية لصالح منطق الترابط الاقتصادي والبنية التحتية العابرة للحدود. وتكشف هذه المقاربة أن منطق الترابط الاقتصادي قادر على الاستمرار حتى في ظل الانقسامات السياسية، مما يعزز فرص إدماج دول الساحل في ديناميات التكامل الإقليمي مستقبلًا.
—
رابعا: مستقبل المشروع بين الواقعية السياسية والتحديات الاقتصادية
عديد من العوامل تؤثر في مصداقية المشروع على المدى المتوسط. أولاً، افتقار المغرب إلى موارد غازية خاصة به يجعله يلعب دور الوسيط وممر العبور، لا دور المنتج، ما يثير تساؤلات حول مبررات المشروع أمام الشركاء الماليين. ثانيًا، التمويل لا يزال معلقًا، حيث لم يتخذ قرار الاستثمار النهائي (FID) حتى يوليو 2026، ما يبقيه في حالة عدم اليقين المالي. ثالثًا، المخاطر الأمنية المرتبطة بمرور الأنبوب عبر مناطق في الساحل ونيجيريا تشهد نشاطًا مسلحًا وشبكات تهريب، وهي مخاطر مستمرة وموثقة.
القراءة التحليلية الرصينة تقتضي التمييز بين المكاسب الدبلوماسية التي حققها المشروع بالفعل، مثل توحيد الكتلة الغرب إفريقية حوله، وبين الأبعاد الصناعية والتنفيذية التي ما زالت رهينة بشروط قد تحول دون تنفيذ المشروع كما هو معلن.
ورغم المكاسب المؤسسية، فإن تقييم فرص نجاحه يتطلب تحليل محددات تنفيذه الفعلي، في مقدمتها التمويل، والاستقرار الأمني، والقدرة على تعبئة الشركاء الدوليين. سواء وصل أول تدفق للغاز إلى طنجة في عام 2031 كما هو معلن، أو عرف المشروع تأخيرات، فإن إعادة التشكل الجيوسياسي التي أفرزها بالفعل – مثل انضمام إيكواس وإعادة انخراط دول تحالف الساحل، واهتمام المؤسسات المالية الدولية – تعد مكسبًا استراتيجيًا مستقلًا عن الجدول الزمني الصناعي.
في المقابل، يدعو هذا الواقع إلى توازن في الخطاب الرسمي الذي يصور المشروع كنموذج للتعاون جنوب–جنوب خالي من اعتبارات القوة. فالشراكة، رغم استنادها إلى مبادئ التضامن الإفريقي، تظل محكومة بعدم تكافؤ في عناصر القوة. تمثل نيجيريا دولة إنتاج، بينما يضطلع المغرب بدور الممر ومهندس الحوكمة الإقليمية، إلى جانب التنافس المفتوح مع الجزائر التي تطرح نفسها كمسار بديل لتصدير الغاز الغرب إفريقي نحو أوروبا. لهذا، سيحدد نجاح المشروع قدرته على تجاوز هذه التنافسات الإقليمية، ونجاحها في تعبئة التمويلات الدولية اللازمة.
—
خاتمة
يؤكد مشروع أنبوب الغاز الأطلسي الإفريقي أن مستقبل الأمن والاستقرار في غرب إفريقيا لن يُبنى بالآليات الأمنية وحدها، بل أيضًا عبر مشاريع التكامل الاقتصادي التي تجعل من المصالح المشتركة أساسًا لتجاوز الانقسامات والصراعات الإقليمية. في هذا السياق، تكتسب الشراكة الأطلسية الأوروبية أهمية تتجاوز بعدها الطاقي، باعتبارها نموذجًا للتعاون جنوب–جنوب قائم على تعزيز الترابط الإفريقي، ودعم السيادة الاقتصادية للقارة، وتمكين الدول الإفريقية من تثمين مواردها الاستراتيجية وفق أولوياتها التنموية.
كما أن الانضمام الجماعي لإيكواس لا يمثل نهاية المسار، بل محطة ضمن عملية مازال مآلها الصناعي والتنفيذي رهينًا باتخاذ قرار الاستثمار النهائي (FID)، وتأمين التمويلات الدولية الضرورية، واستمرار الاستقرار السياسي والأمني في الدول التي سيمر عبرها خط الأنابيب.
وفي المقابل، لا يتعارض هذا التوجه مع المصالح الدولية، بل ينسجم معها، إذ إن تعزيز البنية التحتية الطاقية الإفريقية يسهم في تنويع مصادر إمدادات الغاز، وترسيخ الأمن الطاقي على المستويين الإفريقي والعالمي. ومن ثم، لن يقاس نجاح هذا المشروع فقط بإنجاز خط أنابيب جديد، بل بقدرته على ترسيخ نموذج إفريقي جديد للتكامل وتعزيز الشراكة مع أوروبا من منطق السيادة الإفريقية، وليس من منطق التبعية السياسية والاقتصادية. كما يجعل من الطاقة رافعة للتنمية والاستقرار والشراكة المتوازنة بين إفريقيا والعالم.






















