من الصحراء إلى الأندلس والكناري.. قانون التجنيس يعيد فتح ملف الماضي الاستعماري لإسبانيا

alyaoum30 alyaoum3013 سبتمبر 2026آخر تحديث :
من الصحراء إلى الأندلس والكناري.. قانون التجنيس يعيد فتح ملف الماضي الاستعماري لإسبانيا

من الصحراء إلى الأندلس والكناري.. قانون التجنيس يعيد فتح ملف الماضي الاستعماري لإسبانيا

صادق مجلس النواب الإسباني، يوم 10 شتنبر 2026، على مشروع القانون الذي يمنح الصحراويين مسارا استثنائيا للحصول على الجنسية الإسبانية، بعدما حظي بتأييد 168 نائبا، مقابل رفض 31 نائبا وامتناع عدد كبير من النواب عن التصويت. وقد ساند الحزب الاشتراكي وحلفاؤه النص، في حين اختار الحزب الشعبي وحزب جونتس الكتالوني الامتناع، بينما كان فوكس الحزب الوحيد الذي أعلن معارضته بشكل صريح. وبهذا يكون المشروع قد تجاوز أبرز مرحلة داخل مجلس النواب، لينتقل عبر المسطرة الاستعجالية إلى مجلس الشيوخ قبل استكمال باقي الإجراءات لاعتماده بشكل نهائي.

ترجع خلفية هذا الملف إلى سنة 1976، حين أعلنت إسبانيا رسميا أمام الأمم المتحدة، في 26 فبراير، نهاية حضورها الاستعماري في الصحراء وتخليها عن مسؤوليتها الدولية المتعلقة بإدارة الإقليم. وبعد ذلك، صدر المرسوم الملكي 2258/1976 الذي سمح، وفق شروط معينة، لفئات من الصحراويين باختيار الجنسية الإسبانية خلال مهلة سنة. ويعتبر المؤيدون للمشروع الحالي أن ظروف الانسحاب والحرب والنزوح حالت دون استفادة عدد من المعنيين من هذا الحق، ويقدمون القانون الجديد باعتباره تصحيحا متأخرا لما يصفونه بـ”الدين التاريخي”.

وبذلك تعود إسبانيا، بعد مرور نصف قرن، إلى مرحلة كانت قد أعلنت بنفسها نهايتها أمام المجتمع الدولي، لتتخذ منها منطلقا لإقامة روابط قانونية جديدة يمكن أن تمتد انعكاساتها إلى أجيال قادمة في إقليم يمثل جزءا لا يتجزأ من الوحدة الترابية للمملكة المغربية.

ولم يبدأ مسار المشروع مع التصويت الأخير فقط، بل سبقته مراحل سياسية وبرلمانية متعددة. فقد طُرحت مبادرة مشابهة خلال الولاية البرلمانية السابقة قبل أن تنتهي بانتهائها، ثم أعادت مجموعة سومار، وهي تحالف سياسي يضم عددا من قوى اليسار الإسباني، تقديم المشروع سنة 2024. وخلال المسار التشريعي، انتقل موقف الحزب الاشتراكي من الرفض في مرحلة سابقة إلى مساندة النص والتصويت لفائدته.

وكانت النائبة الصحراوية تيش سيدي، المنتمية إلى ماس مدريد ضمن الكتلة البرلمانية لسومار، من أبرز المدافعين عن المبادرة. وخلال مناقشة القانون في جلسة التصويت، وصفته بأنه إصلاح لـ”ظلم تاريخي” لحق بالصحراويين، وتحدثت عن الفراغ القانوني الذي عاشوه لعقود، معتبرة أن إسبانيا تعيد إليهم اليوم الجنسية وتستجيب لمطلب تاريخي. ولم تعزل سيدي هذا النقاش عن المغرب، إذ حذرت خلال التصويت من أن التخلي عن دعم القانون بسبب ضغط الرباط سيعني أن سيادة البرلمان الإسباني أصبحت خاضعة لتأثير دولة أجنبية، كما دعت الحزب الشعبي إلى مساندة المبادرة في مواجهة الموقف المغربي. وهكذا حمل القانون، في خطاب إحدى أبرز المؤيدات له، أبعادا سياسية تتجاوز مجرد تعديل تقني لقواعد الجنسية.

وعلى المستوى القانوني، يمنح المشروع الصحراويين الذين ولدوا في الصحراء قبل 29 شتنبر 1977 إمكانية اتباع مسار استثنائي للحصول على الجنسية الإسبانية دون اشتراط الإقامة في إسبانيا، مع إمكانية استفادة أبنائهم وفق الشروط التي ينص عليها القانون. كما يوسع المشروع نطاق التجنيس من خلال السماح للصحراويين بطلب الجنسية بعد سنتين فقط من الإقامة القانونية في إسبانيا، عوض عشر سنوات المعتمدة في القاعدة العامة، على غرار مواطني الدول الإيبيرو-أمريكية وأندورا والفلبين وغينيا الاستوائية والبرتغال. وبذلك لا تقتصر آثار المشروع على تسوية أوضاع جيل ارتبط مباشرة بالفترة الاستعمارية، بل تفتح أيضا روابط قانونية قد تمتد إلى أجيال لاحقة.

ويعتمد المدافعون عن المشروع على مفهوم “الحق التاريخي”، معتبرين أن منح الجنسية يمثل استعادة لحق فقده الصحراويون عقب خروج إسبانيا. غير أن المحكمة العليا الإسبانية حسمت سنة 2020 مسألة ذات أهمية في هذا الجدل. ففي قضية امرأة ولدت سنة 1973 في الصحراء وطالبت بالاعتراف لها بالجنسية الإسبانية الأصلية، قضت المحكمة بأن الولادة في الصحراء خلال فترة الإدارة الإسبانية لا تعد ولادة في إسبانيا لأغراض الحصول على الجنسية.

واعتمد الحكم، ضمن حيثياته، على القانون 40/1975 والمرسوم الملكي 2258/1976، وعلى اعتبار الإقليم ذا وضع استعماري، مؤكدا بشكل واضح أن “من ولد في إقليم خلال المرحلة التي كان فيها مستعمرة إسبانية لا يعتبر مولودا في إسبانيا”. وهو ما يضع خطاب “استرجاع الحق التاريخي” أمام إشكال جوهري: عن أي حق في الجنسية يتم الحديث اليوم إذا كان القضاء الإسباني نفسه قد رفض اعتبار الولادة في الصحراء خلال الإدارة الإسبانية ولادة في إسبانيا؟

ومن منظور المغرب، ينبغي وضع القانون في إطاره الحقيقي، إذ إن منح الجنسية لصحراويين لا يغير مغربية الصحراء ولا يمنح إسبانيا أي حق في الإقليم، لأن الجنسية علاقة قانونية تربط الدولة بالفرد وليست أساسا للسيادة على الأرض. لذلك تبقى نتائج هذا القانون مرتبطة بمجال الجنسية وما ينتج عنها من حقوق والتزامات للمستفيدين، دون أن يؤدي ذلك إلى أي تغيير في الوضع الترابي للصحراء أو في السيادة المغربية عليها.

ويأتي هذا القانون في مرحلة تعزز فيها حضور مبادرة الحكم الذاتي ضمن المسار السياسي الدولي، واتسعت المواقف المؤيدة للمقاربة المغربية، بينما تعتبرها إسبانيا نفسها، منذ 2022، الأساس الأكثر جدية ومصداقية وواقعية للحل. لذلك لن يؤدي القانون إلى تغيير مسار القضية أو موازينها، غير أن استحضار مدريد لماضيها الاستعماري بعد نصف قرن قد ينعكس بشكل أوضح على العلاقات المغربية الإسبانية. فمنذ الإعلان المشترك في 7 أبريل 2022، عمل البلدان على تجاوز خلافاتهما وتعزيز شراكتهما السياسية والاقتصادية والأمنية، وهو النهج الذي أكدت عليه الخارجية المغربية في بلاغها الأخير. ويأتي التصويت في ظرف حساس، بعد أحداث الهجرة نحو سبتة وما رافقها من نقاش سياسي وإعلامي في إسبانيا، ليضيف ملفا جديدا إلى نقاط الخلاف بين البلدين، بعدما قطعا خلال السنوات الأخيرة مسافة مهمة في إعادة بناء الثقة وتدبير اختلافاتهما.

إن الاستناد إلى حجة “الدين التاريخي” من طرف المدافعين عن القانون يضع إسبانيا أمام تساؤلات معقدة. فقد أطلقت مدريد سنة 2015 مسارا استثنائيا للحصول على الجنسية لفائدة السفارديم من أصل إسباني، بعد أكثر من خمسة قرون على طرد اليهود من إسبانيا ابتداء من سنة 1492، ومنحت من يثبت أصوله السفاردية وروابطه بإسبانيا إمكانية الاستفادة من هذا المسار.

وبما أن المرابطين والموحدين حكموا، انطلاقا من المغرب، مناطق واسعة من الأندلس لقرون، يبرز تساؤل حول ما إذا كان البرلمان المغربي قد يستحضر بدوره هذا التاريخ ويقر قانونا يتيح مسارا ميسرا نحو الجنسية المغربية أمام الأندلسيين الإسبان الذين يثبتون أصولا مغربية وروابط تاريخية بالمغرب. فبأي منطق يمكن لمدريد الاعتراض على مبدأ يجعل الأصل والرابطة التاريخية أساسا لمنح معاملة استثنائية في الجنسية، وهي التي اعتمدت من قبل المنطق نفسه مع السفارديم؟

ويزداد هذا النقاش حساسية في جزر الكناري، حيث تؤكد المعطيات التاريخية والأثرية والجينية الأصول الأمازيغية للسكان الأصليين؛ إذ يرتبط الوجود الأمازيغي في الجزر بالسكان الأصليين المعروفين بـ”الغوانش”، وهم قبائل أمازيغية هاجرت من شمال إفريقيا (منطقة سوس ودرعة) واستقرت في الأرخبيل قبل آلاف السنين. فكيف ستتعامل مدريد مع قانون مغربي يفتح مسارا خاصا نحو الجنسية أمام سكان الكناري الذين يثبتون أصولا أمازيغية مرتبطة بالمغرب؟

وعند هذه النقطة، يتجاوز النقاش مسألة قانون الجنسية ليصل إلى إشكالية أعمق تتعلق بمدى مشروعية استدعاء أحداث تعود إلى قرون وتحويلها إلى أساس قانوني لمنح فئة محددة من مواطني دولة أخرى وضعا استثنائيا. وهو سؤال تواجهه إسبانيا اليوم، وقد تجد نفسها غدا مطالبة بالإجابة عنه.

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

نستخدم ملفات الكوكيز لنسهل عليك استخدام موقعنا الإلكتروني ونكيف المحتوى والإعلانات وفقا لمتطلباتك واحتياجاتك الخاصة، لتوفير ميزات وسائل التواصل الاجتماعية ولتحليل حركة الزيارات لدينا...لمعرفة المزيد

موافق