انتهاء المينورسو: انتقال الصحراء إلى حكم ذاتي تحت السيادة المغربية
انتهت ولاية بعثة الأمم المتحدة للاستفتاء في الصحراء المغربية، 31 أكتوبر 2026، دون تجديد، بعد فشل مجلس الأمن في التوصل إلى اتفاق على تمديدها. لم ينجح المشروع الأمريكي، الذي حصل على 11 صوتًا مؤيدًا، بسبب الفيتو الروسي، ولا نجح المقترح الروسي البديل الذي لم يحصل على الأصوات التسعة اللازمة. بذلك انتهت مرحلة طويلة من تدبير الملف في إطار آلية أممية أُنشئت منذ 1991، وتحولت الصحراء إلى ساحة جديدة للتفاوض خارج إطار المراقبة الأممية التقليدية.
النتائج العملية لهذا التحول مباشرة: تفقد المنطقة آلية المراقبة الدولية التي كانت توفر، على الأقل، قدرًا من الاستقرار الميداني. منذ نوفمبر 2020، عندما أعلنت جبهة البوليساريو إنهاء وقف إطلاق النار وأعلنت استئناف الكفاح المسلح، أصبح الوضع أكثر تعقيدًا. كانت أزمة الكركرات تلك نقطة تحول كشفت عن هشاشة الترتيبات الميدانية، حيث استهدفت البوليساريو محورًا استراتيجيًا، مما أدى إلى قطع حركة المرور المدنية والتجارية. الآن، مع انهيار المينورسو، تفتقر المنطقة إلى آلية يمكن أن تحافظ على التواصل العسكري أو التحقق من الوقائع الميدانية، مما يزيد من احتمالات التصعيد غير المقصود.
الخبير المغربي في الدراسات الجيواستراتيجية الشرقاوي الروداني رأى في هذا التطور منعطفًا حاسمًا في مسار القضية. في مقال تحليلي بعنوان *”الصحراء المغربية بعد المينورسو: تحول مرجعية التسوية وإعادة تشكيل موازين التفاوض”*، شدد على أن هذا الانتهاء يؤسس لمرحلة جديدة حيث تتغير مرجعية التفاوض. لم يعد الاستفتاء الخيار الوحيد، بل أصبح الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية الأساس الذي تستند إليه المفاوضات، وفق ما نصت عليه قرارات مجلس الأمن، مثل القرار 2797 لعام 2025.
### التحديات الأمنية في مرحلة ما بعد المينورسو
غاب عن البعثة منذ البداية القدرة على تحقيق هدفها الأصلي، وهو تنظيم استفتاء لتقرير المصير. بعد عقود من التعثر، أصبح وجودها مستندًا إلى قرارات مجلس الأمن دون أن يضمن فعاليتها. الآن، مع انهيار الآلية الأممية، تتزايد المخاطر الأمنية في المنطقة. من دون مراقب أممي، سيصعب التحقق من تحركات البوليساريو أو ردود الفعل المغربية، مما قد يؤدي إلى تصعيد غير مقصود. كما أن المنطقة تتعرض لتحديات أخرى، مثل انتشار الجماعات المسلحة وشبكات التهريب في الساحل، مما يزيد من هشاشة الحدود.
المغرب، من جهته، يركز على تعزيز قدراته المحلية في الرصد والاستطلاع والإنذار المبكر. كما يحافظ على جاهزية القوات المسلحة الملكية للتعامل مع أي تهديدات محتملة. لكن التحدي الأكبر يكمن في كيفية التعامل مع الجزائر، التي تظل طرفًا لا يمكن تجاهله في هذا النزاع. أي ترتيبات أمنية مستقبلية يجب أن تأخذ في الاعتبار دور الجزائر السياسي والعسكري، خاصة وأنها تدعم البوليساريو.
### الحكم الذاتي: من المقترح إلى المرجعية
القرار 2797 لعام 2025 يمثل تحولًا سياسيًا مهمًا. لم يعد الحكم الذاتي مجرد مقترح من المغرب، بل أصبح المرجعية الأساسية للمفاوضات. هذا يعني أن النقاش الآن لا يدور حول خيارات نهائية مثل الاستقلال أو الاندماج، بل حول كيفية تشكيل مؤسسات الحكم الذاتي، وتوزيع الاختصاصات بين الأقاليم الجنوبية والدولة المركزية، وضمانات الاستقرار السياسي والاقتصادي.
الخبير المغربي الشرقاوي الروداني أوضح أن هذا التحول يتطلب بلورة ترتيبات مؤسسية واضحة، بما في ذلك مؤسسات محلية ذات صلاحيات واسعة، وموارد مالية كافية، وآليات مساءلة ديمقراطية. كما يجب أن يتوافق هذا الإطار مع المشاريع الاستراتيجية التي يقودها المغرب في الأقاليم الجنوبية، مثل ميناء الداخلة الأطلسي ومبادرة الولوج إلى المحيط الأطلسي لفائدة دول الساحل. هذه المشاريع تعزز موقع الصحراء المغربية في شبكات التجارة والطاقة الإفريقية، مما يجعل الاستقرار في المنطقة مرتبطًا بمصالح اقتصادية إقليمية ودولية.
### مراجعة الخيارات من داخل التجربة الأممية
لم يكن هذا التحول مفاجئًا. منذ سنوات، بدأ مسؤولون أمميون في مراجعة واقعية للمسار الأممي. في 2008، أشار بيتر فان فالسوم، المبعوث الشخصي للأمين العام، إلى أن “إقامة دولة مستقلة في الصحراء غير واقعية” في ظل موازين القوى الحالية، ودعا البوليساريو إلى التخلي عن الرهان على الاستقلال وتعامل مع مبادرة الحكم الذاتي. هذا الموقف أثار اعتراض الجزائر، التي اعتبرت فان فالسوم تجاوزًا لحدود مهمته.
في نوفمبر 2026، عاد جوليان هارستون، رئيس بعثة المينورسو السابق، إلى هذه الإشكالية، ودعا إلى إغلاق البعثة، مشيرًا إلى أن “الاستفتاء لم يعد خيارًا قابلًا للتحقق” وأن “استمرار المهمة بصيغتها الأصلية لم يعد يحقق الغرض الذي أُنشئت من أجله”. كلا الموقفين يشيران إلى أن استنفاد المشروعية الوظيفية للبعثة أصبح واضحًا، حيث لم تعد قادرة على تحقيق أهدافها الأصلية في ظل الواقع السياسي الجديد.
### الجزائر والصحراء: نحو بناء المجال الإقليمي
المغرب يطرح تسوية تستند إلى “الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية”، وهو إطار سياسي ومؤسسي واضح. لكن هذا الحل لا يمكن أن ينفصل عن المشاريع الاستراتيجية التي تربط الصحراء بالمجال الإفريقي والأطلسي. ميناء الداخلة الأطلسي ليس مجرد مشروع وطني، بل “مركز لربط غرب إفريقيا بالأسواق الأطلسية”، مما يفتح آفاقًا جديدة للتنمية الاقتصادية في الأقاليم الجنوبية. بالإضافة إلى ذلك، “مبادرة تمكين دول الساحل من الولوج إلى المحيط الأطلسي” وأنبوب الغاز الإفريقي الأطلسي يوسعون من تأثير الصحراء على المستوى القاري، حيث يتم إنشاء “مصالح مشتركة في النقل والطاقة” بين المغرب ودول الساحل.
هذا التقاطع بين التسوية السياسية والمشاريع الاقتصادية يجعل الاستقرار في الصحراء “مربوطًا بمصالح تتجاوز نطاق النزاع” وتتمدد إلى “دول الساحل وغرب إفريقيا وشركاء المغرب في الفضاء الأطلسي”. بذلك، لا يعد النزاع مجرد خلاف بين المغرب والبوليساريو، بل شأن إقليمي يتطلب حلًا سياسيًا واقتصاديًا متكاملًا.
### المطلوب الآن: انتقال من إدارة الخلاف إلى تسوية سياسية
المغرب يؤكد “أن السيادة الوطنية على الصحراء غير قابلة للتفاوض” وأن “مبادرة الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية” هي الأساس لإنهاء النزاع. المرحلة المقبلة تتطلب بلورة ترتيبات سياسية ومؤسسية تضمن “تنزيل هذا الحل وضمان استمراريته” في ظل “تحول موازين المصالح والرهانات الأمنية والاقتصادية” في المنطقة. الآن، بعد انهيار المينورسو، يجب “الانتقال من إدارة خلاف طال أمده إلى تسوية سياسية” تستوعب “التحولات التي عرفتها الأقاليم الجنوبية ومحيطها الإفريقي والأطلسي”.
الرباط: أساتذة جامعيون يسلطون الضوء على نهاية بعثة المينورسو وتحولات قضية الصحراء
المغرب يؤكد التمسك بوقف إطلاق النار بعد انتهاء ولاية المينورسو






















