حين يختلط فيسبوك بالصحافة…تبدأ الفوضى القانونية

alyaoum30 alyaoum3025 يوليو 2026آخر تحديث :
حين يختلط فيسبوك بالصحافة…تبدأ الفوضى القانونية

احمد الزوين

في زمنٍ أصبحت فيه منصات التواصل الاجتماعي جزءًا من الحياة اليومية، برز خلطٌ كبير بين مفهوم الصحافة ومفهوم النشر عبر فيسبوك حتى بات البعض يعتقد أن كل منشور على هذه المنصة يخضع تلقائيًا لقانون الصحافة والنشر، وأن صاحبه يتمتع بالضمانات نفسها التي يتمتع بها الصحفي المهني، غير أن القانون لا يُبنى على الانطباعات، وإنما على النصوص.

فالصحافة ليست مجرد كتابة رأي، ولا مجرد امتلاك صفحة يتابعها الآلاف، بل هي مهنة يؤطرها القانون، وتمارس داخل مؤسسات إعلامية معترف بها تخضع لحقوق وواجبات ومسؤوليات محددة، أما فيسبوك فهو منصة للتواصل الاجتماعي تتيح النشر للجميع دون أن تحول كل مستخدم إلى صحفي، ولا كل صفحة إلى مؤسسة إعلامية.

ومن هنا يبدأ الفرق الجوهري، فالمؤسسات الصحفية والإذاعية والتلفزية والمنابر الإلكترونية تعمل داخل إطار قانوني منظم، بينما يظل فيسبوك فضاءً رقمياً مفتوحاً لا يخضع في حد ذاته للنظام القانوني الذي ينظم المؤسسات الصحفية.

إن كل من ينشر أو يبث أو يعلق عبر صفحة فيسبوك إنما يمارس نشاطه من خلال منصة للتواصل الاجتماعي، ولا يكتسب بمجرد ذلك صفة المؤسسة الصحفية، كما أن حديثه عن مستخدمي فيسبوك الآخرين لا يخرجه من كونه مستخدمًا للمنصة نفسها، فالعبرة ليست بما يصف به الشخص نفسه، وإنما بالإطار القانوني الذي يمارس من خلاله النشر.

غير أن هذا لا يعني أن النشر عبر فيسبوك يقع خارج دائرة القانون، فحرية التعبير لا تعني حرية الاعتداء على حقوق الآخرين، ولا تمنح حصانة لأحد، وكل منشور يتضمن قذفًا أو سبًا أو تشهيرًا أو مساسًا بالحياة الخاصة أو أي فعل يجرمه القانون يبقى خاضعًا للمساءلة وفق النصوص القانونية الواجبة التطبيق.

إن الخلط بين الصحافة ومنصات التواصل الاجتماعي لا يضر بالقانون فحسب، بل يضر أيضًا بالمهنة الصحفية، لأن الصحافة تقوم على قواعد التحرير والتحقق والمسؤولية وأخلاقيات المهنة، بينما يتيح فيسبوك النشر الفوري لكل من يملك حسابًا دون اشتراط تكوين مهني أو التزام بميثاق أخلاقي.

ولهذا، فإن الاحتكام إلى النصوص القانونية يظل السبيل الوحيد لفهم الحدود الفاصلة بين الإعلام المهني والتواصل الاجتماعي.

فالقانون لا ينظر إلى المنصات بعين واحدة، ولا يساوي بين مؤسسة إعلامية تؤدي رسالة وفق إطار قانوني، وبين فضاء رقمي مفتوح يتيح للجميع التعبير، لكنه لا يعفي أحدًا من المسؤولية.

وفي دولة الحق والقانون لا تُبنى الأحكام على ما هو شائع، بل على ما هو مشروع، ولا تُستمد الحقوق من كثرة المتابعين، بل من قوة النص القانوني. وبين الصحافة وفيسبوك مسافةٌ لا تُقاس بعدد المنشورات، وإنما بميزان القانون.

Voir moins

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

نستخدم ملفات الكوكيز لنسهل عليك استخدام موقعنا الإلكتروني ونكيف المحتوى والإعلانات وفقا لمتطلباتك واحتياجاتك الخاصة، لتوفير ميزات وسائل التواصل الاجتماعية ولتحليل حركة الزيارات لدينا...لمعرفة المزيد

موافق