تحولات أممية وأولويات مغربية ترافق تخليد الذكرى 51 للمسيرة الخضراء
كان من المتوقع أن تخليد المغرب الذكرى الخامسة والخمسين للمسيرة الخضراء في إطار روتيني، لكن هذا العام يحمل طابعًا مختلفًا تمامًا. بينما كانت السنوات السابقة تعكس استمرار الوضع الراهن، تحل هذه الذكرى في ظل تحولات جذرية: انسحاب بعثة الأمم المتحدة في الصحراء (مينورسو) وانتهاء ولاية عملها، إلى جانب تحركات سياسية جديدة تسعى إلى إعادة صياغة مسار القضية. هذه المرحلة الجديدة، التي بدأت رسميًا منذ 31 أكتوبر الماضي، تغيّر من طبيعة التدبير الأممي للملف، وتضع المغرب أمام تحديات جديدة وأولويات استراتيجية واضحة.
البلاغ الملكي الصادر في 30 أكتوبر الماضي، بالإضافة إلى جلسة العمل التي ترأسها الملك محمد السادس في 4 نوفمبر الجاري، فتحا باب مرحلة جديدة تُعرف بـ«ما بعد المينورسو». هذه المرحلة، التي أعلن عنها جان بيير لاكروا، وكيل الأمين العام للأمم المتحدة لعمليات السلام، في مؤتمر صحافي أمس، تعني نهاية المرحلة الميدانية للبعثة الأممية. منذ منتصف ليلة 31 أكتوبر، لم تعد المينورسو تتمتع بأية مهام ميدانية باستثناء تنظيم انسحابها. هذا يعني توقف آليات التحقق من وقف إطلاق النار ومراقبة الحوادث العسكرية، حيث باتت البعثة مقتصرة على إخلاء مواقعها وإدارة معداتها. وفقًا لما أوضح لاكروا، ستستغرق عملية التصفية نحو شهرين، وتشمل إعادة نحو 160 مراقبا عسكريا إلى بلدانهم، وتقليص 180 موظفا مدنيا، وإغلاق 13 موقعا.
الانسحاب الأممي جاء بعد فشل مجلس الأمن الدولي في تبني أي مشروع قرار بشأن نزاع الصحراء المغربية في 30 أكتوبر. المشروع الأمريكي، الذي حصل على تأييد 11 عضوًا، فشل بسبب استخدام روسيا «حق النقض»، بينما امتنعت ثلاث دول، بينها الصين وباكستان. من ناحية أخرى، فشل المشروع الروسي، الذي دعا إلى تمديد الولاية لمدة عام دون تغيير، حيث حصل على تأييد ثلاثة أعضاء فقط، بينما صوتت واشنطن ضده وامتنع 11 عضوًا. هذا الفشل المشترك أدى إلى انتهاء ولاية المينورسو دون تمديد، مما فتح الباب أمام تطورات جديدة.
في رد على هذا التطور، أصدر الديوان الملكي بلاغًا اعتبر عدم تمديد ولاية المينورسو خطوة ذات دلالة كبرى في اتجاه حل النهائي للملف داخل الأمم المتحدة. البلاغ أكد أن هذا التطور يجب أن يضع حدًا لإحالة الملف على مجلس الأمن وتقارير الأمين العام، بينما شدد على التزام المغرب بوقف إطلاق النار. هذه الخطوة تأتي في سياق استراتيجي يهدف إلى إنهاء دور الأمم المتحدة في الملف، مع التركيز على المسار السياسي الذي بدأ منذ عقود.
في جلسة عمل ترأسها الملك محمد السادس في الرباط، أكد السouverain الأولويات الوطنية التي وردت في البلاغ السابق: سلامة التراب الوطني ووحدته، والأمن الوطني، وطمأنينة السكان، خاصة في الأقاليم الجنوبية. الملك أعطى تعليمات بتفعيل هذه الأولويات بحزم، مع مواصلة المشروع التنموي بالجنوب والمشاريع المرتبطة به. كما شدد على أن التزام المغرب بوقف إطلاق النار لن يتغير بانتهاء ولاية المينورسو، وأكد على ضرورة التعاون مع الأمم المتحدة خلال عملية الانسحاب.
المنصة الأممية التي أنشئت بموجب قرار مجلس الأمن 690 في عام 1991 كانت تهدف إلى تحضير استفتاء لم يُنظم قط. منذ ذلك الحين، تطورت القضية عبر مراحل متعددة. في عام 1975، انطلقت المسيرة الخضراء من طرفاية بمشاركة 350 ألف شخص، مما أدى إلى استعادة السيادة المغربية على الصحراء. بعد ذلك، قدم المغرب في عام 2007 مبادرة للتفاوض بشأن نظام الحكم الذاتي بأقاليم الصحراء، والتي ثمنتها الأمم المتحدة في قرار 1754.
التطورات السياسية اللاحقة كانت حاسمة: في ديسمبر 2020، اعترفت الولايات المتحدة بسيادة المغرب على الصحراء، تلتها إسبانيا وألمانيا بدعم المبادرة. في يوليو 2024، كتب الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى الملك محمد السادس، مؤكدًا أن الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية هو الإطار المناسب لحل القضية. في نفس العام، انضمت بريطانيا إلى الدول الداعمة للمقترح. هذا الدعم الدولي بلغ ذروته في 31 أكتوبر 2025، عندما اعتمد مجلس الأمن قرار 2797 بتأييد 11 عضوًا، مع امتناع روسيا والصين وباكستان. القرار أكد أن «حكما ذاتيا حقيقيا تحت السيادة المغربية قد يكون الحل الأنجع».
في رد على هذا القرار، أعلن الملك محمد السادس أن المغرب سيحيي المبادرة ويقدمها كأساس وحيد للتفاوض، مع تحديد 31 أكتوبر من كل سنة عيدًا وطنيًا للوحدة. منذ ذلك الحين، انتقل المغرب من الإعلان إلى العمل. في 10 نوفمبر 2025، عقد الديوان الملكي اجتماعًا مع زعماء الأحزاب لاستشارتهم في تحيين المبادرة. في فبراير 2026، عرض وزير الخارجية المغربي ناصر بوريطة، خلال مفاوضات مدريد بوساطة أمريكية، صيغة مفصلة من المقترح الأصلي لعام 2007. هذه الصيغة، التي تشير تقارير صحفية إلى أنها تضم نحو 40 صفحة، تتناول توزيع الاختصاصات والموارد المالية للجهة، وترتيبات عودة السكان.
التقرير الأخير للأمين العام للأمم المتحدة أكد مشاركة المغرب مشروع النظام الأساسي للحكم الذاتي مع المبعوث الشخصي ستافان دي ميستورا والولايات المتحدة، إلى جانب الجزائر وموريتانيا وجبهة «البوليساريو»، باعتباره أرضية قابلة للتفاوض. المسار المقترح يبدأ بجعل المقترح أساسًا للمحادثات، ثم بحث اتفاق إطار للمرحلة الانتقالية، وصولًا إلى نموذج مفصل للحكم الذاتي. ومع ذلك، تبقى الخطوة الأخيرة رهينة بالمفاوضات المقبلة، حيث لا يزال جدول زمني محدد غير معلن حتى الآن. هذه المرحلة الجديدة، التي تدمج بين انسحاب أممي وتطورات سياسية، تطرح سؤالًا حول كيفية تحويل المبادرات النظرية إلى واقع ملموس على الأرض.
باريس سان جرمان يستبعد حكيمي قبل معسكر المنتخب المغربي
اليمين الإسباني: انسحاب من مونديال 2030 إذا استضافت المغرب النهائي






















