مركز حقوقي يسلط الضوء على أخطاء واختلالات الانتخابات التشريعية.. بين مكاسب قانونية ومطالب إصلاحية
سجل المركز المغربي لحقوق الإنسان ملاحظات حاسمة بشأن الانتخابات التشريعية التي جرت في يوم 23 سبتمبر 2026، مشيرا إلى استمرار تأثيرات النفوذ المالي واستخدام وسائل غير مشروعة لتأثير على قرارات الناخبين، إلى جانب خلل في عملية الملاحظة الانتخابية، سرية التصويت، فضلا عن الفضاء الرقمي الذي شهد تداخلات غير قانونية.
في تقرير مطول أعدته اللجنة الوطنية لرصد ومواكبة المناخ الحقوقي للاستحقاقات الانتخابية، أوضح المركز أن عملية الرصد استندت إلى متابعة شاملة للفضاءات العامة، محيطات مراكز الاقتراع، الحملات الميدانية، بالإضافة إلى متابعة الوسائط الرقمية. وأكد التقرير وجود عدد من المكاسب القانونية، خاصة بعد تطبيق الإصلاحات التي تضمنها القانون التنظيمي رقم 53.25 المغير والمتمم للقانون التنظيمي رقم 27.11، والذي يتعلق بمجلس النواب.
مشاركة انتخابية متدنية
أظهر التقرير أن نسبة المشاركة الوطنية بلغت 38.02 في المائة، أي ما يعادل نحو ستة ملايين مصوت من أصل 15.8 مليون ناخب مسجل. هذا التراجع، الذي بلغ 12.33 نقطة مقارنة بانتخابات 2021، يعكس، حسب المركز، استمرار أزمة الثقة في الأحزاب السياسية، خصوصا في المدن الكبرى. كما توقف المركز على التركيبة العمرية للهيئة الناخبة، حيث لم يتجاوز نسبة الشباب الذين تتراوح أعمارهم بين 18 و24 سنة 4 في المائة، مقابل 29 في المائة لمن تجاوزوا سن 60 عامًا. هذا التوزع، حسب المركز، يعكس ضعف المشاركة السياسية لدى الشباب وافتقار آليات التأطير المدني والسياسي لهم.
كما سجل التقرير ارتفاعًا في الأصوات الملغاة والبيضاء في بعض الدوائر، مثل دائرة العيون، حيث بلغت النسبة 12.4 في المائة. هذا الارتفاع، حسب المركز، يرتبط بصعوبات تقنية مثل الأمية وتعدد بطاقات التصويت، فضلا عن تصويت احتجاجي يعكس عدم الثقة في بعض العروض السياسية. من ناحية أخرى، سجلت الأقاليم الجنوبية نسبة مشاركة مرتفعة، حيث بلغت 77 في المائة بجهة العيون والساقية الحمراء، و61 في المائة بجهة الداخلة- وادي الذهب. هذا الارتفاع، حسب المركز، يرتبط بوعي الناخبين بأهمية الشرعية المؤسساتية والدفاع عن المكتسبات الوطنية، فضلا عن فاعلية شبكات الحشد المحلية.
النفوذ المالي والضغوط
فيما يتعلق بالعملية الانتخابية، أوضح المركز المغربي لحقوق الإنسان أن هناك استخدامًا غير مشروع للأموال والمساعدات والمنافع العينية، بالإضافة إلى وجود “سماسرة” في محيط بعض مراكز الاقتراع، الذين عملوا على توجيه الأصوات لصالح مرشحين معينين. كما تحدث التقرير عن محاولات لاستغلال الخدمات العمومية في الدعاية الانتخابية، إلى جانب استغلال هشاشة النساء والأطفال في بعض المناطق القروية خلال المسيرات. سجل المركز أيضًا حوادث تدافع لفظي وإتلاف ملصقات انتخابية في بعض دوائر الدار البيضاء ومكناس، فضلا عن وقائع أخرى مثل إطلاق أعيرة نارية استعراضية في أخفنير واستخدام مقذوفات ترفيهية في العيون المرسى.
كما أشار التقرير إلى تداول معلومات بشأن تشطيب تلقائي على أسماء بعض الناخبين دون إشعار مسبق، على الرغم من استقرار مقرات إقامتهم، ودعا إلى مراجعة مساطر مراجعة اللوائح الانتخابية لضمان ممارسة حق التصويت دون عوائق.
وقائع طنجة
أبرز المركز المغربي لحقوق الإنسان ما وصفه بخطورة ما رصدته في مكتبي تصويت بمدرسة القدس بمدينة طنجة، حيث تم مساس بسلامة أوراق التصويت ومحاولات التأثير على نزاهة العملية لصالح بعض المرشحين. وأكد المركز أن لجان التفتيش المركزية باشرت تحقيقات في الموضوع، قبل إحالة الملف إلى النيابة العامة التي بدأت إجراءات قضائية. كما سجل التقرير حالات امتناع رؤساء مكاتب التصويت عن تمكين ممثلي اللوائح من نسخ المحاضر، ما يضر بقواعد الشفافية ومراقبة النتائج. ودعا المركز إلى تمكين الملاحظين من أداء مهامهم بشكل قانوني، وليس كإجراء إداري طوعي.
الخروقات الرقمية
لم يقتصر رصد المركز على الفضاء الميداني، بل أشار أيضًا إلى تحديات جديدة أفرزتها التحولات الرقمية خلال الانتخابات. فقد سجل انتشار المحتويات المفبركة وتقنيات الذكاء الاصطناعي والحسابات الوهمية، التي استخدمت لتشويه الخصوم ونشر معلومات مضللة. كما توقف المركز على تداول صور ومقاطع داخل المعازل الانتخابية، ما يثير شبهة استخدامها لإثبات شراء الأصوات أو المساس بسرية التصويت. وانتقد المركز أيضًا فوضى الإعلانات الممولة على منصات التواصل الاجتماعي، التي تعمق التفاوت في الإمكانيات المالية بين الأحزاب.
انتقادات لتمثيلية الانتخابات
في تقييمه للإطار القانوني، أثنى المركز على توسيع موانع الأهلية والترشح بالنسبة إلى المتورطين في جرائم مرتبطة بالتدبير العمومي أو الذين صدرت بحقهم أحكام بالعزل أو عقوبات سالبة للحرية. ومع ذلك، أشار المركز إلى محدودية حضور النساء والشباب في الترشيحات، حيث لم تشكل النساء سوى 7.5 في المائة من رؤساء اللوائح المحلية، بواقع 121 لائحة من أصل 1615. كما لم يتجاوز عدد اللوائح المستقلة للشباب لائحتين على المستوى الوطني. وانتقد المركز أيضًا تهميش الأشخاص في وضعية إعاقة، سواء في الولوج إلى مراكز الاقتراع أو في حضورهم في اللوائح الانتخابية والمحتوى الإعلامي للأحزاب.
مطالب إصلاحية
دعا المركز المغربي لحقوق الإنسان إلى نشر نتائج التحقيقات القضائية والإدارية المتعلقة بجرائم الانتخابات وشراء الأصوات، مع التركيز على ملف طنجة وترتيب المسؤوليات القانونية. كما طالب بمراجعة القوانين المنظمة للانتخابات لتشديد الرقابة على مصادر الإنفاق الانتخابي، ووضع إطار قانوني خاص للدعاية الرقمية والمحتويات المضللة والذكاء الاصطناعي، مع الحفاظ على حرية الرأي والتعبير. ودعا المركز أيضًا إلى اتخاذ تدابير لمنع إدخال الهواتف وأجهزة التصوير إلى المعازل الانتخابية لحماية سرية التصويت، ومراجعة القانون رقم 30.11 المتعلق بالملاحظة الانتخابية المستقلة لضمان استقلاليتها وتمكين الملاحظين من أداء مهامهم دون عوائق.
وختم المركز حقوقي دعوته إلى فتح حوار عام حول سبل استعادة ثقة الشباب والطبقة الوسطى في العمل السياسي، مع اتخاذ تدابير ملزمة للأحزاب لتعزيز حضور النساء والشباب في واجهة الترشيحات المحلية.






















