محمد منير
لم يعد العيد في المغرب مجرد شعيرة دينية واجتماعية، بل تحول بمرور السنوات إلى “اختبار سنوي” لمدى مرونة الاقتصاد الوطني وقدرة الحكومة على امتصاص الصدمات. ومع ذلك، فإن القراءة المتفحصة لما يحدث في أسواق الماشية اليوم، رغم التحسن المناخي ووفرة القطيع، تؤكد أننا أمام **أزمة بنيوية لا يمكن حلها بالمسكنات الموسمية.
- وهم “العرض والطلب” كغطاء للمضاربة
لطالما حاولت المؤسسات الرسمية حصر النقاش في دائرة “العرض والطلب”. منطقياً، إذا كان القطيع متوفراً (40 مليون رأس كما تشير البيانات)، والمطر قد كسى الأرض خضرة، فإن السعر يجب أن يكون في المتناول. لكن الواقع يقول عكس ذلك؛ حيث نجد أنفسنا أمام تضخم بنيوي يغذيّه “الوسطاء” وغياب آليات حقيقية لضبط المسالك التجارية. إن بقاء الأسعار مرتفعة في ظل وفرة العرض يعيد طرح السؤال المشروع: **أين تذهب القيمة المضافة؟ ولماذا لا يستفيد منها لا المربي الصغير ولا المواطن المستهلك؟ - سيكولوجية الاستهلاك في مواجهة انهيار الدخل
لقد دخل المغرب مرحلة “التضخم المقيم”، حيث لم يعد ارتفاع الأسعار مرتبطاً بتقلبات الأسواق الدولية فحسب، بل أصبح سلوكاً مؤسساً في السوق المحلي. إن انهيار القدرة الشرائية ليس مجرد رقم في تقارير المندوبية السامية للتخطيط، بل هو واقع معاش يترجمه عجز أغلب الأسر عن توفير ميزانية العيد. هنا، تتحول الأضحية من “سنة مؤكدة” إلى “عبء اقتصادي”، مما يضع الأسر أمام خيارين أحلاهما مر: إما الاقتراض ورهن ميزانية الأشهر القادمة، أو مقاطعة الطقس والتعرض لحرج اجتماعي لا يستهان به. - انفصال “الخطاب التنموي” عن “الواقع المعيشي”
يلاحظ المواطن المغربي مفارقة عجيبة: من جهة، خطاب رسمي يتغنى بـ “الإنجازات الكبرى”، الملاعب الضخمة، والترشيح لاحتضان تظاهرات عالمية، ومن جهة أخرى، واقع معيشي يزداد قسوة.
إن التركيز على المشاريع ذات البعد الدولي هو خيار سيادي مهم، ولكن عندما يتم ذلك على حساب “الأمن الغذائي” و”الاستقرار الاجتماعي” للطبقات المتوسطة والفقيرة، فإنه يخلق فجوة ثقة. فالمواطن الذي يرى بلده يُعدّ لاحتضان كأس العالم، بينما هو لا يستطيع توفير “خروف العيد”، يشعر باغتراب حقيقي داخل بلده. - الحاجة إلى “شجاعة المصارحة”
إن الحل ليس في “إلغاء العيد” أو الدعم الظرفي لاستيراد الأغنام، بل في إصلاح هيكلي شامل:
إعادة الاعتبار لدور الدولة كضابط للسوق: ليس عبر التدخل المباشر فقط، بل عبر تفكيك شبكات الاحتكار والمضاربة التي تتحكم في أسعار المواد الأساسية.
سياسة دخل جريئة: لا يمكن للقدرة الشرائية أن تصمد أمام تضخم مستمر دون سياسات تقوية الدخل، سواء عبر إصلاح ضريبي يخفف العبء عن الأجراء، أو عبر دعم مباشر وشفاف للفئات الهشة.
المسؤولية السياسية: المواطن اليوم لا يحتاج إلى “تبريرات طبيعية” (جفاف، مناخ، أزمات خارجية)، بل يحتاج إلى وزير ميزانية أو حكومة تشرح له بوضوح: لماذا تظل الأسعار مرتفعة رغم توفر العرض؟ وما هي الخطوات التي اتُخذت لقطع الطريق على الوسطاء؟
خاتمة: العيد كمرآة للحقيقة
إن الأزمة التي نعيشها ليست أزمة “عيد”، بل هي أزمة توزيع للثروة، وأزمة سياسات اقتصادية تعطي الأولوية للمؤشرات الماكرو-اقتصادية على حساب المعيش اليومي للإنسان. إذا لم تكن السياسات التنموية قادرة على حماية طقوس المواطن البسيط، فهي سياسات معزولة عن جوهر التنمية. لقد آن الأوان لنقل النقاش من “تعدد رؤوس الماشية” إلى “متانة جيوب المغاربة”.
سؤال للنقاش: في ظل هذا التضخم البنيوي، هل تعتقد أن المجتمع المغربي قد بدأ بالفعل في “مأسسة” ثقافة التقشف في المناسبات الدينية، أم أن هناك عودة قسرية للمظاهر الاجتماعية التي قد تزيد من تعميق أزمة المديونية الأسرية؟





















