هشام العقراوي استاد القانون العام جامعة السلطان مولاي سليمان كلية العلوم القانونية والسياسية بني ملال
يعكس تصريح وزارة الداخلية بشأن الأحداث التي عرفتها نقط العبور المؤدية إلى مدينتي سبتة ومليلية خطابا مؤسساتيا يهدف إلى تفسير أسباب الظاهرة، وتبرير التدخل العمومي، وتأكيد التزام المملكة المغربية بمقاربة قانونية وإنسانية في تدبير الهجرة غير النظامية.
ويكشف التصريح كخطاب عمومي عن انتقال الوزارة من تفسير الظاهرة بعوامل ظرفية إلى تفسيرها بمنطق تعدد الأسباب؛ ويرجع الأحداث إلى تفاعل جملة من العوامل، أهمها استغلال وسائل التواصل الاجتماعي، وانتشار الأخبار الزائفة، ونشاط شبكات الاتجار بالبشر، وسوء تأويل بعض المستجدات القانونية الإسبانية، ويبرز التصريح بذلك اعتماد الوزارة مقاربة تقوم على تفكيك “الحلم الأوروبي” الذي غذته المنصات الرقمية، من خلال الإيهام بإمكانية الوصول إلى الضفة الأوروبية دون مخاطر أو تبعات قانونية.
ويؤكد التصريح من المنظور الأمني، اعتماد مقاربة استباقية قائمة على الرصد المبكر، ورفع مستوى الجاهزية، وتعزيز التنسيق بين مختلف الأجهزة الأمنية والسلطات الترابية، مع التشديد على احترام مبدأي المشروعية والتناسب في استعمال السلطة، ما يعكس معه توجها نحو الأمن الوقائي الذي يسعى إلى منع تحقق الخطر قبل وقوعه، بدلا من الاقتصار على التدخل بعد حدوثه.
ومن الزاوية القانونية، فقد حرص الخطاب على إضفاء الشرعية على التدخل العمومي من خلال الإحالة إلى احترام القانون، وفتح أبحاث قضائية تحت إشراف النيابة العامة، واعتماد التعاون الرسمي مع السلطات الإسبانية للتحقق من المعطيات المتعلقة بالوفيات وإجراءات إعادة الأشخاص، بما يؤكد ارتباط تدبير الهجرة بسيادة القانون والتعاون القضائي الدولي.
كما اعتمد التصريح على الإحصائيات، عبر تقديم أرقام حول أعداد المشاركين في محاولات العبور، في محاولة لتفنيد الأرقام غير الرسمية المتداولة، وإبراز أن الدولة تستند في قراراتها إلى معطيات ميدانية موثقة ومنظومات تقنية للرصد والتتبع، وهو ما يعزز البعد التواصلي والإقناعي للخطاب الرسمي.
وعلى المستوى الإنساني، لم يغفل التصريح الإشارة إلى الخسائر البشرية الناتجة عن محاولات العبور، مع ربطها بسوء تقدير المخاطر الناتج عن الاعتقاد الخاطئ بسهولة الوصول إلى سبتة، وهو ما يعكس توجها يرمي إلى التحذير من مخاطر الهجرة غير النظامية وتفكيك الصورة المثالية المرتبطة بها.
واختتم التصريح بالتأكيد على أن معالجة الهجرة غير النظامية لا يمكن أن تكون مسؤولية دولة واحدة، بل تقتضي مقاربة دولية تقوم على المسؤولية المشتركة وتقاسم الأعباء، مع تجديد التأكيد على التزام المغرب بالتعاون الدولي في مكافحة الهجرة غير النظامية والاتجار بالبشر، بما ينسجم مع موقعه كشريك استراتيجي للاتحاد الأوروبي في مجال تدبير الهجرة.
ومن ثم يعكس هذا التصريح خطابا رسميا متعدد الأبعاد، يجمع بين الشرعية القانونية، والبعد الأمني، والاعتبارات الإنسانية، والتعاون الدولي، ويؤسس لرؤية تعتبر الهجرة غير النظامية ظاهرة مركبة تستوجب تدبيرا شاملا يتجاوز المعالجة الأمنية التقليدية، مع التركيز على مواجهة التضليل الرقمي وشبكات الاتجار بالبشر، وترسيخ دولة القانون في تدبير الحدود وحماية الأرواح.
- هشام العقراوي استاد القانون العام جامعة السلطان مولاي سليمان كلية العلوم القانونية والسياسية بني ملال





















