العسري: تحالف اليسار يعيد تقييم أخطائه الانتخابية بعد «تسرع» في الإعداد
في جلسة عمل على موقع اليوم 30، كشف الأمين العام للحزب الاشتراكي الموحد، جمال العسري، عن تقييم حاسم لنتائج الانتخابات التشريعية لعام 2026، التي حقق فيها تحالف اليسار — المكون من حزبه وفيدرالية اليسار الديمقراطي — تقدمًا من مقعدين إلى ثمانية مقاعد. ومع ذلك، أكد العسري أن هذه النتائج لا تتناسب مع توقعات التحالف، مشيرًا إلى أن الاستحقاق الانتخابي كشف عن أخطاء استراتيجية وأخلالات هيكلية في العملية الانتخابية نفسها.
أشار العسري إلى أن التحالف بدأ في تقييم نتائجه بشكل منهجي، مع التركيز على سلسلة من الأخطاء التي ارتكبها خلال مرحلة الإعداد. من بين هذه الأخطاء، ذكر تأخر إعلان التحالف وإعداد البرنامج الانتخابي، بالإضافة إلى تأجيل تقديم المرشحين، ما أدى إلى استعدادات انتخابية غير كافية. هذا التأخير، وفق تصريحاته، كان له انعكاسات مباشرة على القدرة التنافسية في الانتخابات، حيث لم يتمكن التحالف من الاستفادة الكاملة من الفرص المتاحة في المدن الكبرى.
في تحليله للاختلالات التي شابت الانتخابات، شدد العسري على ما وصفه بـ«فضيحة طنجة» و«انتخابات الصاك»، مؤكدًا أن المناطق القروية والبادية كانت ضحايا لتدبير انتخابي غير عادل. حسبما أوضح، كان هناك تدخل من «ثلاثي الأعيان والمال والسلطة»، ما أدى إلى تشويه نتائج الانتخابات في هذه المناطق، التي تلعب دورًا حاسمًا في تشكيل الخريطة البرلمانية. هذا التوجه، وفق رأيه، يتطلب إصلاحات فورية، منها إنشاء هيئة مستقلة للإشراف على الانتخابات، وإلغاء اللوائح الانتخابية العامة واستبدالها بطاقة الهوية الوطنية للتصويت.
من جانبه، أكد العسري أن نجاح التحالف لا يقتصر على زيادة عدد المقاعد البرلمانية، بل يتطلب تحقيق إصلاحات سياسية ودستورية شاملة. شدد على ضرورة ربط المسؤولية بالمحاسبة، وتعزيز الحريات والعدالة الاجتماعية، مع الحفاظ على التوازن بين النضال داخل المؤسسات والاحتجاج في الشارع. كما انتقد ما وصفه بـ«الحصار الإعلامي العمومي» الذي يحد من قدرة الحزب على إيصال رسالته السياسية إلى الناخبين.
في تقييمه للحكومة الجديدة، أوضح العسري أن تشكيلها جرى دون نقاش شامل حول برنامجها السياسي والاقتصادي والاجتماعي والثقافي والخارجي، مع تركيز غير مبرر على توزيع المناصب بين مكوناتها. هذا التسرع، حسب رأيه، يعكس عدم وجود رؤية واضحة، كما ظهر في حالات مثل إعفاء وزيرة منتدبة بعد أقل من 48 ساعة من تعيينها. كما أثار تساؤلات حول التنافي بين المسؤولية الحكومية والعضوية البرلمانية، بالإضافة إلى التعويضات المالية المرتبطة بالتعيين والإعفاء.
من ناحية أخرى، انتقد العسري طريقة تشكيل الحكومة، مشيرًا إلى زيادة غير مبررة في عدد الوزراء المنتدبين، ما يعكس، في نظره، غلبة منطق اقتسام المناصب على الاختيارات السياسية الحقيقية. هذا التوجه، وفق رأيه، يتجاوز حدود الدستور، مما يدعو إلى إصلاح القوانين التنظيمية لضمان تأويل ديمقراطي للدستور. شدد على أن «الملكية البرلمانية» يجب أن تكون أساسًا لنضال الحزب السياسي.
في السياق الحزبي، أكد العسري أن الديمقراطية الداخلية هي جزء أساسي من مشروع الحزب الاشتراكي الموحد، الذي يهدف إلى دمقرطة الدولة والمجتمع. ذكر أن الحزب اعتمد قوانين وأنظمة جديدة لتدبير التزكيات الانتخابية، مع إمكانية مراجعتها خلال المؤتمر الوطني المقبل. كما أكد على أن الإيديولوجيا ما تزال تلعب دورًا حاسمًا في الحياة السياسية المغربية، مشيرًا إلى نجاح التحالف في تجاوب فئات واسعة من الناخبين مع عرضه السياسي والدستوري والفكري، الذي يركز على بناء المغرب الحر والكرامة والديمقراطية والعدالة الاجتماعية.
فيما يتعلق بالتعليم، شدد العسري على أن أزمة المنظومة التعليمية لا تقتصر على تعاقب الوزراء، بل ترتبط بغياب إرادة سياسية واضحة بشأن نوعية المواطن الذي يجب أن تنتجها المدارس المغربية. دعا إلى تنظيم مناظرة وطنية شاملة، بمشاركة جميع الشركاء المعنيين، لتحديد الأهداف الحقيقية للتعليم. تساءل عما إذا كانت المدارس مطالبة بتكوين مواطن قادر على التفكير والنقاش والاحتجاج، أم أن مهمتها تقتصر على إنتاج مواطن خاضع. وأكد على تمسكه الشخصي بممارسة التدريس، مشيرًا إلى أن العمل السياسي بالنسبة إليه هو تزامن وتضحية، وليس وسيلة لتحقيق مكاسب شخصية.
تطرق العسري أيضًا إلى قضية الوحدة الترابية، منتقدًا صمت الحكومة والأحزاب الرسمية إزاء زيارة الملك الإسباني إلى سبتة ومليلية. شدد على أن استعادة الأراضي المحتلة، بما في ذلك الصحراء المغربية، يجب أن تكون ضمن أولويات الحكومات والأحزاب المغربية. كما دعا إلى مصالحة حقيقية مع المناطق المهمشة، من خلال تحسين الخدمات الأساسية، معتبرًا أن تنمية الجهات تقتضي الاهتمام بالإنسان والجغرافيا على حد سواء.
في الشأن الدولي، انتقد العسري مواقف وسائل الإعلام والهيئات الحقوقية الغربية تجاه الحرب الإسرائيلية على الفلسطينيين، مشيرًا إلى وجود «ازدواجية معايير» في التعامل مع قضايا حقوق الإنسان. دعا إلى بناء حداثة مغربية قائمة على التصورات والحاجات الوطنية، بدلاً من استيراد نماذج غربية. ربط أيضًا الأزمة الفرنسية بالتفاوتات الاقتصادية والاجتماعية، محذرًا من تجاهل مطالب الشعوب، مشيرًا إلى أن القضية الفلسطينية أظهرت وقوف الشعوب إلى جانب الفلسطينيين بعد خذلانها من قبل الأنظمة العالمية.
في ختام حديثه، شدد العسري على رفضه استخدام الدين في العمل السياسي، معتبرًا أن الإسلام السياسي لا يقتصر على الأحزاب، بل يشمل ممارسات الدولة في تدبير الشأن الديني. أكد على أن حزبه يدافع عن حرية المعتقد والممارسة الدينية، لكنه يرفض استخدام الدين لتحقيق أهداف دنيوية أو سياسية. حذر من أن إخضاع الدين لمصالح السلطة قد يشكل خطرًا على الدين والمجتمع على حد سواء.
التعليم والتنمية والحريات.. العسري يبرز تجاوزها لرهانات الانتخابات






















