التحديات التي تواجه المعارضة البرلمانية في ظل تعدد مرجعياتها وتباين مواقعها السابقة
تستهدف الانتباه طبيعة عمل المعارضة البرلمانية خلال الولاية التشريعية الجديدة، وسط تنوع مكوناتها واختلاف المرجعية السياسية والإيديولوجية التي تمثلها، فضلاً عن اختلاف مواقعها السابقة في إدارة الحكومة.
بينما تتصارع بين ضرورة التنسيق والتحديات التي تطرحها الحفاظ على “الاستقلالية الحزبية”، يبرز التساؤل حول قدرتها على توحيد مواقفها بشأن القضايا الكبرى، وتعزيز أدوارها الرقابية والتشريعية داخل البرلمان، عبر البحث عن آليات فعالة تنص عليها القوانين.
يرى خبراء أن فعالية المعارضة لن ترتبط بالضرورة بتشكيل تحالف سياسي موحد، بقدر ما ستعتمد على نوعية أداء الحكومة ومدى قدرة الفرق البرلمانية المعارضة على إدارة الاختلافات وتنسيق المواقف بشأن القضايا المشتركة، مع احتمال اختلاف إيقاعات العمل بين المكونات المختلفة.
تشمل المعارضة النيابية الجديدة حزب التجمع الوطني للأحرار (66 عضوًا)، وحزب العدالة والتنمية (54 عضوًا)، وحزب الحركة الشعبية (28 عضوًا)، إلى جانب تحالف اليسار (8 أعضاء)، بالإضافة إلى ثلاثة نواب غير منتسبين. أما حزبا الاتحاد الدستوري والحركة الديمقراطية الاجتماعية فقد اختارا ما سمياه “المساندة النقدية” لحكومة المنصوري.
إيقاعات متفاوتة
أكد عبد الرحيم العلام، أستاذ العلوم السياسية بجامعة القاضي عياض بمراكش، أن “الأساس الذي تبنى عليه أي معارضة سياسية هو فكرة فشل الحكومة”. وأشار إلى أن “إذا نجحت الحكومة في تطبيق سياسات مقبولة، فإن دور المعارضة سيقلل من أهميته، حيث لن يكون قادرًا على المعارضة من أجل المعارضة فقط”.
ووضّح العلام، في تصريح لليوم 30، أن “نجاح المعارضة وتوحيدها يعتمد بشكل مباشر على ضعف أداء الحكومة وفشل السياسات”. وأردف أن هذا الضعف قد يدفع المكونات المعارضة إلى التنسيق فيما بينها، ليس بالضرورة عبر اجتماعات مباشرة، بل عبر اتخاذ موقف مشترك ضد القرارات والأداء غير السليم.
وأضاف المحلل السياسي نفسه: “في هذه الحالة، قد يلجأ كل طرف، حسب الوسائل المتاحة له، إلى التعبير عن موقفه، سواء عبر وسائل الإعلام أو الأسئلة البرلمانية الشفهية والكتابية، أو عبر التظاهر والاحتجاج في الشارع”.
ولدى شرح السيناريوهات المحتملة، أوضح العلام أن “المعارضة التي سيقدمها حزب التجمع الوطني للأحرار لن تكون تقليدية، بل ستكون محسوبة بشكل كبير، نظرًا لعدم اعتياده على هذا الدور، فضلاً عن ارتباطه بالتدبير الحكومي خلال السنوات الخمس الماضية”. وأردف: “قد يتحفظ هذا الحزب على المشاركة في آليات برلمانية قد تبحث في قطاعات دبرها وسيرها خلال السنوات الأخيرة”.
أما حزب العدالة والتنمية، فيكون، وفق المصدر نفسه، “محررًا من ضغوط إدارة الحكومة، ما قد يساعده على رفع مستوى نشاطه داخل مجلس النواب، الأمر نفسه ينطبق على تحالف اليسار، بينما قد يكون الإيقاع أبطأ لدى حزب الحركة الشعبية”.
تنسيق قائم
في هذا السياق، أكد رشيد لزرق، أستاذ القانون الدستوري والعلوم السياسية ورئيس مركز شمال أفريقيا للدراسات والأبحاث وتقييم السياسات العمومية، أن “التعدد المرجعي والإيديولوجي لمكونات المعارضة البرلمانية لا ينفي ضرورة التنسيق بينها، باعتباره ضرورة مؤسسية تقتضها متطلبات التوازن بين الأغلبية والمعارضة، وضمان فعالية الرقابة التشريعية”.
ووضّح لزرق، في تصريح لليوم 30، أنه “يتعين التمييز بين التحالف السياسي الذي يفترض تقاربًا في المرجعية والبرنامج، والتنسيق البرلماني الذي يقوم على تقاطع المصالح والمواقف بشأن قضايا محددة، دون المساس بالاستقلالية السياسية لكل مكون”.
وتابع المتحدث نفسه: “التنسيق لا يتطلب وحدة التصورات، بل يتطلب وعيًا مشتركًا بوظيفة المعارضة الدستورية، كما كرسها الفصول 10 و60 من الدستور، باعتبارها مكونًا أساسيًا في البناء البرلماني، وشريكًا في ممارسة التشريع والرقابة”.
ومن ثم، أوضح المحلل السياسي نفسه أن “التنسيق لا يمثل التزامًا قانونيًا مفروضًا على مكونات المعارضة، بقدر ما هو ضرورة وظيفية لتحويل قوتها العددية وتعددها السياسي إلى فعالية مؤسسية قادرة على تطبيق الآليات الدستورية لمراقبة الحكومة”.
وعن إمكانية بروز “معارضات داخل المعارضة”، اعتبر لزرق أن ذلك سيكون “تعبيرًا طبيعيًا عن التعددية السياسية واختلاف المرجعية والموقع والتقديرات، ولا يمثل في حد ذاته مؤشرًا على ضعف المعارضة أو اختلال أدائها”.
وشدد أستاذ القانون الدستوري والعلوم السياسية على أن “وحدة الموقع المؤسسي لا تستلزم وحدة الموقف السياسي، كما أن اختلاف إيقاعات العمل البرلماني لا يتعارض بالضرورة مع بناء تنسيق موضوعي حول القضايا ذات المصلحة المشتركة”.
واختتم لزرق بالقول إن “الإشكال الحقيقي يكمن في قدرتها على فصل منطق التنافس الحزبي عن منطق المسؤولية المؤسسية، مما يسمح بتجاوز التباينات عند ممارسة الاختصاصات الرقابية والتشريعية”. وأردف أن “قوة المعارضة لا تقاس بمدى تجانسها الإيديولوجي أو انتظامها في تحالف موحد، بل بقدرتها على إدارة الاختلافات وإنتاج عمل برلماني منسق يحقق التوازن المؤسسي ويجنب الممارسة البرلمانية اختزالها في هيمنة منطق الأغلبية العددية”.





















