دبلوماسي تونسي: «إعلان تفكيك شبكة وهران» مسرحية تخدم مصالح داخلية.. ومخاوف الجزائر من ترسيخ السيادة المغربية في الصحراء
أكد إلياس القصري، السفير التونسي السابق في ألمانيا والهند وكوريا الجنوبية واليابان، أن إعلان وسائل الإعلام الرسمية الجزائرية عن تفكيك شبكة مزعومة تضم 61 مواطنًا مغربيًا في وهران، عبروا عبر تونس، يمثل تحولًا عقائديًا بارزًا. فالمشهد الذي يصوره هذا الإعلان، والذي يفترض عبورًا غير مكتشف عبر الجزائر على مسافة تتجاوز ألف كيلومتر، يبدو، وفق العديد من المحللين الجزائريين والأجانب، مجرد مناورة شكلية تستجيب حصريًا لمتطلبات السياسة الداخلية الجزائرية.
في مقال نشره عبر حسابه الرسمي على موقع اليوم 30، أوضح القصري أن السلطة العسكرية والأمنية في الجزائر، أمام تحديات هيكلية داخلية وآفاق الاستحقاق الرئاسي لعام 2029، فضلًا عن النكسات الدبلوماسية بشأن ملف الصحراء في مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، تعيد تفعيل استراتيجية العدو الخارجي. وتتميز هذه المناورة بتميزها في إقحام تونس بشكل متعمد، حيث تحاول الجزائر فرض عقيدة «المجال الحيوي» من خلال دمج تونس في منطقة أمنية تخضع سيادتها لمتطلبات الجزائر.
وتابع الدبلوماسي التونسي السابق بأن هذه النظرية، التي كانت ذات يوم عزيزة على ستالين وهتلر لتبرير التوسع الإقليمي والتدخل في شؤون الدول المجاورة، تُعيد استخدامها اليوم لإضفاء الشرعية على هيمنة غير متكافئة. وتصبح تونس، في هذا السياق، مصدرًا مباشرًا للمخاطر على استقرارها واستقلالها وسيادتها.
وأشار إلياس القصري إلى أن المحفز الرئيسي وراء هذا العداء الجزائري يكمن في المداولات الجارية في مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، حيث تتجه الديناميكية الدولية نحو التأكيد النهائي على السيادة المغربية كإطار أساسي وحيد لنزاع الصحراء. هذا الترسيخ الوشيك يثير حالة من الذعر داخل القيادة الجزائرية، نظرًا لتداعياته الكارثية على مشروعها الدبلوماسي.
وأكد الدبلوماسي التونسي السابق أن الجزائر، منذ نصف قرن، جعلت قضية البوليساريو ريعًا سياسيًا وستارًا إيديولوجيًا، مستخدمة هذا النزاع المفتعل لتبرير استحواذ الجيش على الثروات الاقتصادية والميزانيات العسكرية الضخمة، فضلًا عن الحفاظ على قبضة حديدية على الشعب الجزائري، تحت هيمنة موروثة من التقسيم الاستعماري الفرنسي. ونبه إلى أن نهاية هذا النزاع المبتكر ستدمر الأسس نفسها للمشروعية التي يستند إليها نظام الجنرالات في الجزائر.
وبالنسبة للقيادة الجزائرية، يشكل الإبقاء على توتر على الحدود أداة للحكم الداخلي، حيث يبرر الحديث عن خطر وشيك وضع إطارًا أمنيًا استثنائيًا على الأراضي الجزائرية، مما يبرر مسبقًا إغلاق الاستحقاق الانتخابي لعام 2029 أو تأجيله تحت ذريعة الحفاظ على أمن الدولة. وتصبح تونس، في هذا السياق، عرضة لتداعيات هذه الاستراتيجيات، حيث قد تجد نفسها مضطرة لإدارة حالات طوارئ دائمة مفروضة من الخارج.
ودعا إلياس القصري سلطات تونس إلى قطع أي تلاعب خارجي وسحب أي ذريعة للتدخل من الجزائر، وتقليص التعاون العسكري إلى أبعاد تقنية فقط، من خلال استبعاد وجود عسكريين أو شرطة أو استخباراتيين جزائريين على التراب التونسي. وأكد على ضرورة التحرر من «الابتزاز الجزائري»، مشيرًا إلى أن الهشاشة الجيوسياسية لتونس ترتبط أساسًا بعلاقتها بالغاز الجزائري، وأن كسر هذه الأداة يتطلب سياسة طاقية وطنية حازمة.
وفي ختام مقاله، حذر القصري من أن تونس لا يجب أن تصبح حليفًا مقصورًا أو حتى بيدقًا للتضحية في صراع جيوسياسي عقائدي ينتمي إلى زمن مضى، وخسرته الجزائر بوضوح على الساحة الدولية. ودعا إلى معارضة حازمة وواضحة لكل محاولات الجزائر جعل تونس جزءًا من منطق الطوارئ الأمنية، الذي يهدد الاستقرار الديمقراطي والتطورات المؤسساتية في البلاد.





















