آيت أورير ..بين استدامة التنمية وماراطون الانتخابات: وسؤال الهدر التنموي

alyaoum30 alyaoum3019 مايو 2026آخر تحديث :
آيت أورير ..بين استدامة التنمية وماراطون الانتخابات: وسؤال الهدر التنموي

بقلم محمد منير،

تشهد مدينة آيت أورير هذه الأيام حركية غير معتادة؛ أوراش تتحرك، آليات تشتغل، وتدشينات تخرج من رفوف الانتظار. في الظاهر، تبدو هذه الدينامية كعلامة تعافٍ وإرادة لتدارك سنوات من الهدر التنموي الذي عطل طاقات هذه المدينة الاستراتيجية، باعتبارها بوابة إقليم الحوز وصلة الوصل بين الحاضرة المراكشية وقمم الأطلس.

لكن، في عمق النقاش المحلي، يتساءل الفاعل الجمعوي والمواطن اللبيب بنبرة لا تخلو من توجس: هل نحن أمام صحوة تنموية حقيقية لتعويض الزمن المهدور، أم أننا بصدد “صباغة سياسية” موسمية هدفها ترتيب الأوراق لربح زمن انتخابي قادم؟
إن تفكيك المشهد الحالي يقتضي الابتعاد عن التفاؤل الساذج كما عن العدمية المطلقة. فمن الجحود إنكار أن خروج أي مشروع إلى العلن هو مكسب للمدينة ولساكنتها، خاصة في مجالات التأهيل الحضري والبنية التحتية الأساسية. غير أن إشكالية التنمية في آيت أورير لم تكن يوماً إشكالية نقص في الإسمنت أو غياب لطلاء الجدران، بل هي أعمق من ذلك بكثير؛ إنها أزمة عمق تنموي يفتقر إلى الرؤية الاستراتيجية التي تدمج الإنسان والمجال في صلب التغيير.
المفارقة التي تفرض نفسها اليوم تتجلى في “التوقيت”. فلماذا تظل المشاريع حبيسة البيروقراطية لسنوات، ثم تستيقظ فجأة مع اقتراب الأجندات السياسية؟ هذا الاقتران الزمني يغذي الطرح النقدي الذي يرى في هذه التحركات “تنمية الواجهة”. فالتركيز على الإصلاحات البصرية والترميمات السطحية بمداخل المدينة، رغم أهميته الجمالية، لا يمكن أن يحجب غياب البدائل الحقيقية في الملفات الحارقة: أين هي العدالة التنموية في الأحياء الهامشية؟ أين هي الفضاءات الثقافية والتربوية الحاضنة لشباب المدينة وأطفالها؟ وأين هي الاستراتيجيات المحلية لخلق فرص شغل حقيقية تنتشل اليافعين من الركود الاقتصادي؟
إن التنمية الحقيقية لا تقاس بعدد الكيلومترات المعبدة قبيل الانتخابات، بل بمدى استدامة الأثر. المدينة ليست مجرد تكتل عمراني، بل هي “سوسيولوجيا مكان” وذاكرة جماعية تتشكل من خلال جودة الحياة، وتوفر فضاءات الابتكار والتعليم غير النظامي، وتثمين التراث اللامادي الذي يزخر به إقليم الحوز. عندما تغيب هذه المكونات، تصبح الأوراش الحالية أقرب إلى مهدئات موضعية تنتهي صلاحيتها بانتهاء الاستحقاقات، لنعود بعدها إلى نقطة الصفر من الهدر التنموي.
لقد حان الوقت للقطع مع مقاربة “المواسم التنموية”. آيت أورير لا تحتاج إلى حلول ترقيعية لربح الوقت السياسي، بل تحتاج إلى تعاقد تنموي جديد
يربط الإنجاز بالمحاسبة والديمومة. تعاقد تساهم فيه الطاقات الحية للمدينة من مجتمع مدني، ومثقفين، وفنانين، وشباب مبتكر، لضمان ألا تذهب هذه الميزانيات في مشاريع “تجميلية” عابرة، بل لتأسيس بنية تحتية ثقافية، واقتصادية، واجتماعية صلبة.
في الختام، إن الأيام المقبلة هي المحك الحقيقي. فإذا استمرت هذه الأوراش في التوسع والعمق لتمس جوهر معيش المواطن وثقافته وهويته بعد انقضاء المواعيد السياسية، سنقول بكل اعتزاز إننا تجاوزنا الهدر التنموي. أما إذا توقفت الآليات وعاد الصمت ليخيم على المجال بمجرد إغلاق صناديق الاقتراع، فحينها سيتأكد للجميع أن ما عشناه لم يكن سوى “طلاء مؤقت” سرعان ما ستعريه أولى زخات الواقع. الساكنة اليوم لم تعد تكتفي بالمشاهدة، بل أصبحت واعية وشريكة في التقييم، والرهان الحقيقي هو كسب ثقة هذا الشارع الأيتوري الذكي.

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

نستخدم ملفات الكوكيز لنسهل عليك استخدام موقعنا الإلكتروني ونكيف المحتوى والإعلانات وفقا لمتطلباتك واحتياجاتك الخاصة، لتوفير ميزات وسائل التواصل الاجتماعية ولتحليل حركة الزيارات لدينا...لمعرفة المزيد

موافق