مستشفى القرب بـ «آيت أورير»: هل هو قارب نجاة أم منصة نفي نحو «البُعد»؟

alyaoum30 alyaoum3018 مايو 2026آخر تحديث :
مستشفى القرب بـ «آيت أورير»: هل هو قارب نجاة أم منصة نفي نحو «البُعد»؟

بقلم محمد منير

تضعنا الأزمات والحوادث المفاجئة دائمًا أمام مرآة الواقع الحقيقي، ممتصةً كل مساحيق التجميل والشعارات الرنانة التي تُسوّق في منصات التواصل الاجتماعي واللقاءات الرسمية. وما تعرضت له يوم أمس ابنة مدينة آيت أورير، الفنانة التشكيلية والفاعلة الجمعوية الآنسة آية منير، إثر حادثة سير مؤلمة تطلبت تدخلًا جراحيًا عاجلًا (رتقًا طبيًا داخليًا وخارجيًا)، لم يكن مجرد واقعة سير عابرة، بل هو جرس إنذار متجدد يعيد تعرية الواقع الصحي المرير بالمنطقة، ويطرح السؤال الحارق والمشروع: هل نحن أمام مستشفى للقرب، أم أمام محطة عبور إجبارية تدفع بالمريض نحو المجهول وبُعد المسافات؟
من المحزن والمؤلم حقًا، أن تجد ساكنة مدينة بحجم آيت أورير ونواحيها نفسها مجردة من أبسط مقومات الاستجابة الصحية الاستعجالية. أن يُترك المصاب في لحظة فارقة بين الحياة والموت، أو تحت وطأة ألم حاد، يواجه خيارات تنقل قسرية قد تُنهي أنفاسه أو تضاعف إعاقته قبل أن تتاح له فرصة الإنقاذ، أمر لا يمكن تصنيفه إلا في خانة الاستهتار بالحق الإنساني في العلاج.


لقد استبشرت الساكنة خيرًا بعد طول انتظار بفتح هذا المرفق الصحي، وظن الجميع أن زمن «الرحلات العلاجية القسرية» نحو مستشفيات مراكش قد ولى بلا رجعة. لكن الواقع يصدمنا في كل امتحان حقيقي؛ فبمجرد وصول حالة تستدعي تدخلًا طبيًا لمواجهة تداعيات حادثة سير، تحول «مستشفى القرب» بقدرة قادر إلى «مستشفى البُعد»، وجاء الجواب الجاهز والمألوف الذي يحفظه الصغير والكبير هنا: “خذوها إلى مراكش”.
صحيح أن اللطف الإلهي كان حاضرًا، وتم نقل المصابة وإسعافها في مراكش، وهي مناسبة لنحمد الله على سلامتها، لكن الخروج من الأزمة بسلام لا يعفينا من طرح الأسئلة الجوهرية والمحاسِبة:
أولًا: ما الجدوى التنموية والاجتماعية من فتح مؤسسة استشفائية رُصدت لها ميزانيات وضاعت في سبيلها سنوات من الانتظار، إذا كانت عاجزة عن تقديم خدمات إسعافية حقيقية وأولية؟
ثانياً: أين اختفت تلك الآليات والمعدات الطبية والأجهزة المتطورة التي ملأت صورُها الفضاء الأزرق وشاشات الهواتف، وغطت “العشب الرقمي” لمواقع التواصل الاجتماعي أيام التدشينات والزيارات الموجهة؟
ثالثاً: أين هم أولئك “المطبلون والمصفقون” والملتقطون لصور «البرستيج السياسي»، الذين سارعوا لنسب هذا الإنجاز السطحي لأنفسهم، بينما يلوذون بالصمت اليوم أمام طوابير المعاناة وصيحات الألم؟
إن النقد البناء يقتضي منا التأكيد على أن البنية التحتية ليست جدرانًا تُطلى، ولا لافتات تُعلق، بل هي “روح خدمية” تتمثل في أطقم طبية وشبه طبية مستقرة، وتجهيزات حيوية مشتغلة، وسياسة تدبيرية تضع كرامة المواطن في صلب اهتمامها.
إن تحويل مستشفى القرب بآيت أورير إلى مجرد “قاعة انتظار كبرى” لتوزيع تذاكر التوجيه نحو مراكش، هو هدر للمال العام وتعميق للمأساة الإنسانية لساكنة إقليم الحوز. لقد حان الوقت لتتحمل الجهات الوصية على القطاع الصحي مسؤوليتها الكاملة في تفعيل هذا المرفق بشكل حقيقي، والكف عن بيع الأوهام الرقمية، فالأرواح لا تحميها «اللايكات»، بل تنقذها المشارط والأجهزة الطبية الحاضرة والفعالة في وقتها ومكانها المناسبين.

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

نستخدم ملفات الكوكيز لنسهل عليك استخدام موقعنا الإلكتروني ونكيف المحتوى والإعلانات وفقا لمتطلباتك واحتياجاتك الخاصة، لتوفير ميزات وسائل التواصل الاجتماعية ولتحليل حركة الزيارات لدينا...لمعرفة المزيد

موافق