الكويرة والحدود: كيف تستهدف موريتانيا تحديد حدود الصحراء في تقرير الأمم المتحدة
ألقى تقرير أنطونيو غوتيريش، الأمين العام للأمم المتحدة، الضوء على تفاصيل جديدة حول مسار المفاوضات بشأن نزاع الصحراء المغربية، التي جرت خلال الربع الأول من عام 2026 بين المغرب وجبهة البوليساريو والجزائر وموريتانيا، تحت رعاية ستافان دي ميستورا، المبعوث الشخصي للأمين العام، وبتيسير من الإدارة الأمريكية. وأشار التقرير، الذي يحمل الرمز S/2026/781، إلى أن نواكشوط طرح خلال هذه الجولات ملف الحدود الدولية النهائية والدائمة للإقليم المتنازع عليه.
وذكر غوتيريش أن وزير الخارجية الموريتاني أكد خلال الجولة الثانية من المفاوضات، التي استضافت مدريد في 8 و9 فبراير الجاري، على ضرورة إنشاء لجنة لتوضيح الحدود الدولية النهائية والدائمة للإقليم بطريقة توافقية. جاء هذا المقترح في إطار بحث تفاصيل عملية مرتبطة بأي تسوية مستقبلية، بعد أن عملت الأمم المتحدة والولايات المتحدة على إعداد مشروع أولي لاتفاق إطار بشأن مرحلة انتقالية محتملة، شملت الضمانات الدولية وتقاسم الموارد والمصالحة ونزع السلاح والترتيبات الأمنية والأنظمة الانتخابية.
وتجدر الإشارة إلى أن موريتانيا شاركت في الجولات الثلاث للمفاوضات قبل أن يقوم دي ميستورا بمشاورات مباشرة مع الرئيس الموريتاني محمد ولد الشيخ الغزواني ضمن اتصالاته مع الأطراف المعنية. بذلك، أصبحت مسألة الحدود جزءًا من الملفات التي دخلت إلى طاولة التفاوض إلى جانب القضايا السياسية والأمنية والمؤسسية، دون أن يكون المقترح الموريتاني صيغة نهائية أو اتفاقًا بين الأطراف، بل طرحًا يستهدف تحديد حدود توافقيّة للإقليم في إطار المسار الأممي المدعوم من الولايات المتحدة.
أثار بعض التحليلات الصحافية ارتباطًا بين هذا المقترح الموريتاني بشأن الحدود وبين حسابات مرتبطة بمنطقة الكويرة، التي تسيطر عليها موريتانيا حاليًا. فإدراج مسألة الحدود في أي تسوية نهائية قد يعكس، حسب هذه القراءات، رغبة موريتانية في تأمين وضع المنطقة ومصالحها المرتبطة بها ضمن الترتيبات النهائية.
—
حسابات موريتانية
قال الشيخ أحمد أمين، صحافي موريتاني متخصص في الشأن المغاربي، إن قراءة التقرير الأممي الأخير على أنها تحمل مطالب موريتانية جديدة بالكويرة ستكون خطأً في فهم الوثيقة. وأوضح في تصريح لموقع اليوم 30 أن النص لا يشير إلى مطالبة موريتانية بالكويرة أو مراجعة لموقفها التاريخي من النزاع، بل يسجل اقتراحًا بإنشاء لجنة لتوضيح الحدود الدولية النهائية والدائمة للإقليم بالتوافق.
وأشار إلى أن هناك فرق واضحًا بين طلب ضبط الحدود في إطار تسوية نهائية وبين المطالبة بالسيادة على جزء من الإقليم. وأكد أن موريتانيا حسمت هذه المسألة قانونيًا وسياسيًا منذ اتفاق الجزائر في 10 أغسطس 1979، عندما تخلت عن مطالبها الإقليمية في الصحراء وانسحبت من الحرب. وأردف أن موريتانيا لم تقدم، منذ ذلك التاريخ، مطالبة سيادية جديدة بالكويرة، مشيرًا إلى أن التقرير الحالي لا يوفر أساسًا لقول إن نواكشوط عادت للمطالبة بها.
وتابع الشيخ أحمد أن الوثيقة الأممية لا تذكر الكويرة بالاسم في سياق المقترح الموريتاني، مؤكدًا أن هذا “نقطة أساسية يجب عدم تجاوزها”. وأضاف أن الربط بين الكويرة وبين طلب تشكيل لجنة للحدود يظل استنتاجًا سياسيًا وجغرافيًا يمكن مناقشته، لكنه ليس مطالبة موريتانية مثبتة في الوثيقة.
واستطرد المتحدث بأن المقترح الموريتاني يحمل دلالة سياسية، إذ يعكس إدراك الحكومة الحالية أن أي تسوية نهائية للنزاع ستؤثر مباشرة على أمن البلاد وحدودها ومصالحها الاستراتيجية، خاصة في منطقة حساسة جغرافيًا مثل الكويرة، التي تلامس مدينة نواذيبو، العاصمة الاقتصادية لموريتانيا.
وخلص الشيخ أحمد إلى أن موريتانيا تسعى فقط إلى عدم ترك مسألة الحدود غامضة في أي اتفاق نهائي، دون الانتقال من موقع الدولة المجاورة إلى موقع الطرف صاحب المطالب الترابية. وأكد أن تحرك نواكشوط الحالي يهدف إلى حماية المصالح الموريتانية أكثر من كونه تعبيرًا عن طموح إقليمي جديد.
—
رهانات استراتيجية
من جهته، قال عبد الوهاب الكاين، عضو تحالف المنظمات غير الحكومية الصحراوية، إن تقرير الأمم المتحدة الجديد يعكس عودة ملف الكويرة إلى واجهة النقاش، في الوقت الذي يكشف فيه عن حيوية المسار السياسي للنزاع ودخوله مرحلة أكثر جدية وواقعية.
وأشار الكاين، في تصريح لموقع اليوم 30، إلى أن إيراد الوثيقة الأممية لمقترح موريتاني يتعلق بتوضيح الحدود الدولية النهائية للإقليم بالتوافق يدل على أن الأطراف المعنية تنظر إلى التسوية باعتبارها أفقًا ممكنًا للتحقق. وأكد أن المقترح الموريتاني يعد مؤشرًا إيجابيًا على رغبة في طي صفحة الغموض وتثبيت الاستقرار على أسس واضحة.
واستطرد الكاين بأن ما يزيد هذه القراءة اطمئنانًا هو أن التقرير الأممي لا يتضمن مطالبة موريتانية صريحة بالمنطقة، مما يعني أن الأمر يتعلق بدعوة إلى التوضيح والتوافق، وليس بفتح جبهة خلاف جديدة. وأكد أن الحديث عن حدود نهائية ودائمة يحمل منطق الحسم والاستقرار، ويصب في مصلحة جميع الأطراف التي تحتاج إلى بيئة إقليمية هادئة تتيح التركيز على التنمية والتعاون.
ولفت رئيس منظمة “أفريقيا ووتش” إلى أن هذا التطور يكتسب أهمية خاصة بالنظر إلى الروابط التاريخية والجغرافية والإنسانية المتينة بين الرباط ونواكشوط، وإلى التزام موريتانيا منذ انسحابها من النزاع عام 1979 بعدم وجود مطالب إقليمية لها في الصحراء. وأشار إلى أن هذا الثبات في الموقف الموريتاني يمنح المبادرة الجديدة مصداقية إضافية، وتجعلها تتفق مع نهج الحياد الإيجابي الذي اختاره نواكشوط.
وأكد الكاين أن البعد الاستراتيجي للكويرة لا يمكن إغفاله، حيث تقع بمحاذاة نواذيبو، عاصمة موريتانيا الاقتصادية. وأردف أن وضوح وضعها القانوني والجغرافي ينعكس مباشرة على حركة التجارة والاستثمار والأمن في المنطقة، وأن تحديد الحدود والتوافق بشأنها سيزيد من فرص إقامة مشاريع مشتركة وتطوير البنيات التحتية.
وتابع الكاين أن حسم الحدود بين المغرب وموريتانيا وإدماج الكويرة في مسار التنمية في الأقاليم الجنوبية المغربية سيفتح أمام موريتانيا آفاقًا اقتصادية جديدة، بالنظر إلى مجاورتها لنواذيبو وموانئها. وأضاف أن وضوح الوضع القانوني للمنطقة يشجع على التعاون في الصيد البحري والموانئ والطاقة والنقل واللوجستيك، ويربط الواجهة الأطلسية الموريتانية بالمحاور الكبرى التي يبنيها المغرب في الجنوب.
وأشار إلى أن المنطقة يمكن أن تتحول من نقطة حدودية حساسة إلى جسر للتبادل ورافعة للاستثمار، مما يتيح لموريتانيا تنويع اقتصادها وجذب رؤوس الأموال وتوفير فرص عمل للشباب، وتعزيز موقعها كبوابة نحو عمقها الإفريقي.
وخلص عبد الوهاب الكاين إلى أن طي ملف الحدود بالتوافق على المستوى الإقليمي يبعث رسالة بأن شمال إفريقيا قادرة على تدبير قضاياها بالحوار والمسؤولية، مما يعزز الاستقرار ويقلل من بؤر التوتر. وأكد أن حدود واضحة ومتفق عليها تسهل التنسيق الأمني بين البلدين في مواجهة التهريب والهجرة غير النظامية، وتفتح المجال أمام تعاون أوسع في الطاقة والأمن الغذائي والممرات التجارية الأطلسية.






















