الاغتراب والوصم يواجهان طلبة “المغرب العميق” في المدن الكبرى

alyaoum30 alyaoum3013 سبتمبر 2026آخر تحديث :
الاغتراب والوصم يواجهان طلبة "المغرب العميق" في المدن الكبرى

“`html

الاغتراب والوصم يواجهان طلبة “المغرب العميق” في المدن الكبرى

ما إن يحتفي طلبة المناطق التي يُطلق عليها عادة اسم “المغرب العميق” بقبولهم في التخصصات التي يفضلونها داخل المدن الكبرى، حتى يجدوا أنفسهم أمام تحديات جديدة لا تقتصر في كثير من الأحيان على صعوبة الدراسة، بل تمتد إلى التأقلم مع وسط اجتماعي وثقافي مغاير، وتدبير السكن والمصاريف، وتكوين علاقات جديدة، إلى جانب مواجهة الإحساس بالغربة والوصم الاجتماعي.

محمد، 25 سنة، طالب باحث، يعرض جانبا من هذه التجربة، موضحا أن الصعوبات تبدأ منذ مرحلة الحصول على شهادة البكالوريا، خصوصا في ظل ما يسميه بـ”الفوارق المجالية” التي تجعل الطالب القادم من المناطق البعيدة عن المراكز الحضرية ينتقل إلى بيئة مختلفة من جوانب متعددة.

ويقول محمد، الذي دفعته رغبة متابعة دراساته العليا إلى الانتقال من إقليم أزيلال نحو العاصمة الرباط، في حديث مع اليوم 30، إن طلبة “المغرب العميق” ينشؤون في أوساط محافظة وتقليدية، تقل فيها، حسب رأيه، بعض القيم المرتبطة بالنمط الاستهلاكي والحياة الحضرية، قبل أن يجدوا أنفسهم بشكل مفاجئ داخل المدن الكبرى أمام واقع اجتماعي وثقافي جديد، قد يفرز لديهم صعوبات في الاندماج وشعورا بالاغتراب والقلق من تصورات الآخرين تجاههم.

ولا يقتصر الأمر، حسب الطالب الباحث نفسه، على اختلاف البيئة المحيطة، إذ يوضح أن الطالب قد يجد نفسه داخل بعض الإدارات والمؤسسات مصنفا انطلاقا من انتمائه الجغرافي، وهو ما قد يؤدي إلى “تحجيمه واختزال شخصيته برمتها في انتمائه الجغرافي”.

ويصبح هذا الإحساس أكثر قوة، وفق تجربة الطالب ذاتها، عند مواجهة إكراهات مادية، يأتي في مقدمتها البحث عن سكن ملائم، ما يدفع بعض الطلبة إلى الإقامة في أحياء هامشية، وهو ما قد يزيد من شعورهم بـ”الوصم الاجتماعي”.

كما يشير المتحدث نفسه إلى أن غياب شبكة من الأصدقاء والمعارف في المحيط الجديد يجعل الطالب يواجه الضغوط اليومية بمفرده، وهو ما يؤثر على حالته النفسية وعلى قدرته على التكيف، مؤكدا أن الدراسة، في تصوره، ليست مجرد وجود جسدي داخل المؤسسة الجامعية، وإنما هي نشاط ذهني يتطلب انخراطا كاملا، موضحا أن الضغوط المادية والمعنوية، وأحيانا الروحية، المتراكمة قد تدفع الدراسة إلى مغادرة مكانتها الطبيعية.

ويضيف المصرح للجريدة أن الطالب قد يصبح، في بعض الحالات، منشغلا بمشكلاته اليومية أكثر من انشغاله بالدروس، فيتحول وجوده داخل المؤسسة إلى حضور جسدي فقط، بينما يبقى تفكيره منصبا على أسئلة المستقبل وتدبير متطلبات الحياة، مشيرا إلى أن الأمر يكون أكثر تعقيدا بالنسبة للطلبة الذين يسعون إلى تحقيق قدر من الاستقلال المالي، في ظل محدودية المنحة وعدم استفادة الجميع من السكن الجامعي.

ويستعيد محمد تجربته الخاصة في العاصمة الرباط، موضحا أنه لم يحصل على السكن الجامعي خلال فترة دراسته بسلك الإجازة، الأمر الذي اضطره إلى اللجوء إلى الكراء الخاص، وهو ما يعكس، بالنسبة إليه، حجم العبء الذي قد يتحمله الطالب القادم من خارج المدينة.

ولا تتوقف الصعوبات، حسب الطالب نفسه، عند الجانب المادي، بل تشمل أيضا نظرة المجتمع إلى الطالب الباحث، خصوصا عندما يواصل دراسته في سلك الدكتوراه، إذ يقول إن بعض الأسر والأوساط الاجتماعية ما تزال تجد صعوبة في فهم مفهوم “الطالب الباحث”، فتتعامل معه أحيانا باعتباره “عاطلا عن العمل” بدل النظر إليه كشخص يواصل تكوينه ويسهم في البحث العلمي، وقد ترافقه أحيانا نظرات شفقة.

وفي تفسير لصعوبات اندماج الطلبة داخل الوسط الجامعي، يرى عادل الحساني، خبير في علم النفس الاجتماعي، أن جزءا من الإشكالات التي تواجه الطلبة عند انتقالهم إلى المدن الكبرى يرتبط أساسا بـ”الفجوة” القائمة بين المرحلة المدرسية والتعليم العالي، موضحا أن مرحلة ما بعد البكالوريا تمثل في جوهرها إعدادا للحياة المهنية، بغض النظر عن التخصص الذي يختاره الطالب، ومبينا أن الطالب قد يلتحق بالدراسات العليا دون أن يكون حصل على الاستعداد الكافي لمتطلبات هذه المرحلة الجديدة.

ويشرح الحساني، في تصريح لليوم 30، أن الطالب ينتقل من مرحلة يركز فيها على المواد الدراسية إلى حياة تحتاج إلى مستوى أكبر من الاستقلالية والاعتماد على النفس وتحمل المسؤولية، فضلا عن التعامل مع قوانين جديدة داخل الجامعة والمجتمع، مبرزا أن غياب الاستعداد لهذا الانتقال قد يضع الطالب أمام نوع من “الصدمة” بسبب عدم معرفته الكافية بمساره الجديد وبمتطلبات البيئة التي أصبح ينتمي إليها.

وانطلاقا من ذلك، يؤكد خبير علم النفس الاجتماعي أهمية تقريب الواقع من الطالب ومساعدته على استيعابه قبل الانتقال إليه، مشيرا إلى ما وصفها بـ”مبادرات”، من قبيل “السنة الفارغة” المعمول بها في بعض الدول الأوروبية، باعتبارها مرحلة قد تساهم في إعداد الشاب للحياة الجديدة التي تنتظره.

ولا ترتبط صعوبات التأقلم، حسب المتحدث ذاته، بالجانب الأكاديمي فقط، إذ يتحدث أيضا عن وجود ما يسميه “التشوه المعرفي”، نتيجة الأفكار والتصورات التي تنتقل بين الأسر والمجتمع والأصدقاء، لافتا إلى أن هذه التصورات قد تكون غير دقيقة أو غير مناسبة دائما للحياة العملية والمهنية، حتى وإن تم تداولها بحسن نية.

ويضيف الحساني أن الطالب يحتاج خلال هذه المرحلة إلى تطوير قدرته على البحث والتحقق والاستفادة من تجارب الأجيال السابقة وأخطائها، حتى لا يصل، بعد سنوات من الدراسة في الإجازة والماستر والدكتوراه، إلى الإحساس بالندم بسبب غياب التوجيه الكافي منذ البداية، مؤكدا أن التكيف مع الحياة الجامعية يبقى مرتبطا في النهاية بالاستعداد للحياة المهنية والقدرة على التعامل مع واقعها.

كما يبرز عادل الحساني جانبا آخر لا يقل أهمية، يتعلق بصورة الطالب داخل المجتمع، موضحا أن بعض الأوساط لا تزال تنظر إليه باعتباره “شخصا لم يدخل بعد إلى الحياة العملية”، رغم أن المسافة التي تفصله عن سوق الشغل لا تتجاوز بضع سنوات، معتبرا أن هذا التصور قد يؤثر في كرامة الطالب وفي طريقة التعامل معه؛ ودعا إلى تدخل المؤسسات المعنية، وعلى رأسها قطاعا التربية الوطنية والتعليم العالي، من أجل تغيير هذه الصورة وإدراج مفاهيم التوجيه والاستعداد للحياة الجامعية والمهنية ضمن المسارات التعليمية.

“`

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

نستخدم ملفات الكوكيز لنسهل عليك استخدام موقعنا الإلكتروني ونكيف المحتوى والإعلانات وفقا لمتطلباتك واحتياجاتك الخاصة، لتوفير ميزات وسائل التواصل الاجتماعية ولتحليل حركة الزيارات لدينا...لمعرفة المزيد

موافق