القطب الحضري لمازاغان بين وعود مدينة المستقبل والسكن المؤجل

alyaoum30 alyaoum3021 أغسطس 2026آخر تحديث :
القطب الحضري لمازاغان بين وعود مدينة المستقبل والسكن المؤجل

مصطفى عفيف

بعد نحو تسع سنوات على انطلاق أشغال تهيئته، لا يزال مشروع القطب الحضري لمازاغان، المعروف اختصاراً بـ«PUMA»، يثير أكثر من علامة استفهام بشأن وتيرة تنزيل مكوناته على أرض الواقع، خاصة بعد أن ارتبط اسمه منذ البداية بوعود كبيرة لإحداث مدينة جديدة على مشارف الجديدة، تجمع بين السكن والاقتصاد والبحث العلمي والتكوين والثقافة والترفيه.

فالمشروع، الذي جرى تقديمه باعتباره أحد أكبر أوراش التوسع العمراني بين الجديدة وأزمور، يمتد على مساحة تناهز 1300 هكتار، وكان من المنتظر أن يتحول تدريجياً إلى قطب حضري قادر على استيعاب حوالي 130 ألف نسمة في أفق 2030. غير أن مرور السنوات، وخصوصاً تجاوز موعد 2023 الذي سبق أن تم الإعلان عنه لاستقبال أول 10 آلاف نسمة، أعاد إلى الواجهة ملف هذا المشروع، وأسئلة التأخر في إخراج مكوناته الأساسية، وفي مقدمتها المكون السكني.

مدينة جديدة على الورق.. وطموح يتجاوز السكن

لم يكن مشروع القطب الحضري لمازاغان مجرد تجزئة عقارية أو برنامج سكني تقليدي، بل قُدم منذ انطلاقته باعتباره مشروعاً حضرياً متكاملاً، يقوم على إحداث مدينة جديدة تضم مناطق مخصصة للسكن، والبحث والتطوير والابتكار، والتعليم والتكوين، إلى جانب الأنشطة الاقتصادية والخدماتية والمرافق الثقافية والرياضية والسياحية والمساحات الخضراء، بحجيث كان الرهان يتمثل في خلق مجال عمراني جديد قادر على مواكبة التحولات الاقتصادية والديمغرافية التي تعرفها المنطقة، مستفيداً من موقعه بين الجديدة وأزمور، وقربه من عدد من المحاور والمنشآت الاقتصادية الكبرى، وفي مقدمتها المنطقة الصناعية للجرف الأصفر.

وبحسب البرمجة التي رافقت تقديم المشروع في سنواته الأولى، كان القطب الحضري مبرمجاً على مراحل، حيث كان يفترض أن تستقبل المرحلة الأولى وحدها حوالي 46 ألف نسمة، قبل الانتقال إلى مراحل أخرى، وصولاً إلى هدف يتجاوز 130 ألف نسمة.

غير أن ما كان يفترض أن يتحول، مع مرور السنوات، إلى مدينة جديدة تتشكل معالمها تدريجياً، ظل محط تساؤلات بشأن حجم الإنجاز الفعلي مقارنة بالطموحات والمواعيد التي سبق الإعلان عنها.

2017.. انطلاق الأشغال وبداية الوعود الكبيرة

في أكتوبر 2017، انطلقت أشغال تهيئة المرحلة الأولى من القطب الحضري لمازاغان، والتي شملت مساحة تناهز 200 هكتار من أصل حوالي 1300 هكتار المخصصة للمشروع، وضمت التصورات المعلنة لهذه المرحلة مناطق للسكن الجماعي، ومؤسسات تعليمية، ومرافق تجارية ومكاتب، وفندقاً، وقرية للفنون، فضلاً عن مكونات مرتبطة بالتكوين والبحث والابتكار، وكانت الآجال المعلنة آنذاك توحي بأن المشروع سيتقدم بوتيرة متدرجة، حيث تمت برمجة المرحلة الأولى خلال الفترة الممتدة من 2017 إلى 2024، قبل المرور إلى مراحل لاحقة تمتد إلى أفق 2034.

لكن المسار الذي اتخذه المشروع خلال السنوات اللاحقة لم يواكب، على ما يبدو، حجم التوقعات التي رافقت انطلاقته، لتتحول الأسئلة من الحديث عن مدينة المستقبل إلى التساؤل عن أسباب بطء ظهور ملامح هذه المدينة على أرض الواقع.

2023.. موعد السكن الذي مر دون تحقيق الوعود المنتظرة

يظل المكون السكني أحد أبرز الملفات التي تكشف حجم الفارق بين ما تم الإعلان عنه وما تحقق في الآجال التي سبق تحديدها، ففي أكتوبر 2020، تم الإعلان عن أن أولى الوحدات السكنية بالقطب الحضري ستخرج إلى الوجود ابتداء من سنة 2023، مع توقع استقبال حوالي 10 آلاف نسمة في هذه المرحلة.

وكان هذا الإعلان يحمل دلالة خاصة، باعتبار أن المشروع لم يكن يفترض أن يظل مجرد أوراش تهيئة وبنيات تحتية، بل أن ينتقل إلى مرحلة فعلية عنوانها ظهور أحياء مأهولة بالسكان، وانطلاق دورة اقتصادية وخدماتية تجعل من القطب الحضري مدينة قائمة بذاتها، غير أن سنة 2023 مرت، لتبقى الوعود المتعلقة باستقبال أول 10 آلاف نسمة بعيدة عن الصورة التي كانت منتظرة، الأمر الذي جعل هذا الموعد يتحول، بدل أن يكون محطة لانطلاق المدينة الجديدة، إلى أحد أبرز علامات الاستفهام في مسار المشروع.

فأين وصلت الوحدات السكنية التي كان يفترض أن تشكل النواة الأولى للقطب الحضري؟ وما الأسباب التي حالت دون تحقيق البرمجة التي سبق الإعلان عنها؟

شراكات عقارية.. وبرامج سكنية في انتظار الحصيلة

من أجل إعطاء المشروع دفعة عملية، تم الإعلان عن شراكات مع عدد من الفاعلين في مجال التطوير العقاري، كان من المفترض أن تساهم في إخراج المكون السكني إلى حيز الوجود، ففي سنة 2019، تم الإعلان عن اتفاق مع المجموعة الفرنسية REALITES لتطوير مكون سكني أول على مساحة 13 هكتاراً، يضم وحدات سكنية فردية وجماعية ومرافق تجارية، وفي السنة نفسها، تم الإعلان عن شراكة مع المجموعة الإسبانية CICASA لإنجاز برنامج مختلط على مساحة تناهز 18 هكتاراً، يتضمن 114 وحدة سكنية فردية و463 شقة، إلى جانب حوالي 5000 متر مربع من المحلات التجارية، مع برمجة انطلاق المرحلة الأولى خلال بداية سنة 2020، لبحيث كان يفترض أن تشكل هذه البرامج إحدى اللبنات الأولى للمدينة الجديدة، وأن تعطي الانطلاقة للمكون السكني الذي يعد أساسياً في المشروع.

لكن توالي السنوات يجعل من الضروري اليوم الكشف عن الحصيلة الفعلية لهذه الشراكات والبرامج: ما الذي أنجز منها؟ وما المشاريع التي دخلت فعلياً مرحلة الاستغلال؟ وما الذي ظل في حدود الاتفاقيات والتصورات والبرمجة؟

2021.. «إعادة إطلاق» تكشف وجود صعوبات

كان سنة 2021 محطة أخرى في مسار المشروع، بعدما خُصص اجتماع لبحث وضعية تقدم أشغال القطب الحضري لمازاغان، بحضور المسؤولين عن المشروع والسلطات الإقليمية تم خلاله تقديم ذلك اللقاء في حينه باعتباره مناسبة لإعادة إطلاق المشروع، من خلال الوقوف على وضعية الأشغال والنقاط التي تعيق تقدمه، والبحث عن حلول لتجاوزها وفي تلك المرحلة، تم تجديد الحديث عن استقبال أول 10 آلاف نسمة ابتداء من سنة 2023، غير أن تجاوز هذا الموعد يضع اليوم علامات استفهام حول نتائج تلك الاجتماعات، ومدى تمكن مختلف المتدخلين من معالجة الإكراهات التي كانت تحول دون تسريع وتيرة الإنجاز.

فإذا كان المشروع احتاج، بعد سنوات قليلة من انطلاقه، إلى «إعادة إطلاق»، فإن مرور سنوات إضافية يفرض، اليوم، تقديم توضيحات حول وضعه الحقيقي، والكشف عن المراحل التي أنجزت وتلك التي ما تزال عالقة.

من 2017 إلى 2026.. تسع سنوات وأسئلة بلا أجوبة واضحة

بعد حوالي تسع سنوات من انطلاق أشغال التهيئة الأولى، أصبح السؤال المطروح اليوم أكثر إلحاحاً: أين وصل مشروع القطب الحضري لمازاغان؟

فالطموح الذي تم الإعلان عنه كان يتعلق بمدينة تستوعب عشرات الآلاف من السكان، وتضم أحياء سكنية ومؤسسات تعليمية وفضاءات للبحث والتكوين والابتكار، ومرافق اقتصادية وثقافية ورياضية وسياحية، وهو المشوروع الدي كان من المفترض، وفق المواعيد التي سبق الإعلان عنها، أن تكون سنة 2023 بداية مرحلة جديدة، من خلال ظهور أولى الوحدات السكنية واستقبال آلاف السكان، لكن سنة 2026 حلّت، فيما لا تزال الحاجة قائمة إلى تقديم حصيلة دقيقة وشفافة حول ما تحقق من المشروع مقارنة بما كان مبرمجاً.

وهنا، لا يتعلق الأمر بالتشكيك في أهمية المشروع أو في الرؤية التي تأسس عليها، بقدر ما يتعلق بحق الرأي العام المحلي في معرفة مصير مشروع استراتيجي ظل لسنوات عنواناً لطموح تحويل المنطقة إلى قطب حضري جديد.

مدينة المستقبل تحتاج إلى سكان ومرافق لا إلى الوعود فقط

تكمن المفارقة في أن القطب الحضري لمازاغان ما يزال يحتفظ، على مستوى التصور، بكل مقومات المشروع الاستراتيجي، فمساحته الكبيرة، وموقعه الجغرافي، وطبيعة المرافق المبرمجة داخله، والرهان على ربط السكن بالاقتصاد والمعرفة والبحث والابتكار، كلها عناصر تجعل منه مشروعاً يتجاوز بكثير منطق التوسع العمراني التقليدي، غير أن نجاح مثل هذه المشاريع لا يقاس بحجم الوعاء العقاري ولا بعدد المكونات المعلنة، وإنما بمدى تحولها إلى واقع ملموس.

فالمدينة لا تُبنى بالمخططات وحدها، بل بالسكان والمساكن والمدارس والخدمات والأنشطة الاقتصادية والمرافق العمومية وهو ما يجعل التأخر في إنجاز المكون السكني وتأجيل استقبال السكان مسألة محورية، لأن السكن يمثل المدخل الحقيقي لانتقال المشروع من ورش للتهيئة إلى مدينة حية.

الجديدة في حاجة إلى وضوح بشأن مستقبل أحد أكبر أوراشها

في الوقت الذي تعرف فيه مدينة الجديدة ومحيطها توسعاً عمرانياً متواصلاً، وتزداد الحاجة إلى مجالات جديدة تستجيب للطلب على السكن والخدمات والمرافق، يظل مشروع القطب الحضري لمازاغان واحداً من أكبر الرهانات المطروحة على مستقبل المنطقة.

ولهذا، فإن استمرار الغموض بشأن آجال الإنجاز ومصير بعض المكونات لا يخدم حجم المشروع ولا الانتظارات التي رافقت إطلاقه.

فالمطلوب اليوم لم يعد إعادة تقديم المشروع بنفس الوعود التي رافقت انطلاقته، بل الانتقال إلى لغة الحصيلة والأرقام: ما الذي أنجز؟ وما الذي لم ينجز؟ وما أسباب التأخر؟ وما هي الآجال الجديدة؟

من وعود 130 ألف نسمة إلى ضرورة كشف الحقيقة

منذ سنة 2017، ارتبط القطب الحضري لمازاغان بصورة مدينة المستقبل: 1300 هكتار، عشرات الآلاف من السكان، أحياء سكنية، مرافق جامعية وتعليمية، فضاءات للبحث والابتكار، أنشطة اقتصادية وخدماتية، ومرافق ثقافية ورياضية ومساحات خضراء.

لكن بعد مرور نحو تسع سنوات، وتجاوز موعد 2023 الذي كان يفترض أن يشهد استقبال أول 10 آلاف نسمة، يبدو أن المشروع في حاجة إلى وقفة تقييم شاملة تكشف للرأي العام المحلي حقيقة وضعه.

فالساكنة والمتتبعون لا يحتاجون اليوم إلى المزيد من الوعود بقدر ما يحتاجون إلى معطيات دقيقة حول الحصيلة الفعلية، ومصير المشاريع التي تم الإعلان عنها، والجدولة الزمنية الجديدة لاستكمال ما تبقى.

وإذا كان القطب الحضري لمازاغان قد أريد له أن يكون مدينة المستقبل بالجديدة، فإن التحدي الحقيقي اليوم يتمثل في تحويل هذا الطموح إلى واقع ملموس، والانتقال من المخططات والشراكات والبرامج المعلنة إلى مدينة تنبض فعلاً بالسكان والخدمات والأنشطة.

أما استمرار التأخر والغموض، فيبقيان المشروع أمام سؤال مفتوح: هل يتعلق الأمر بتأخر ظرفي في إنجاز مشروع استراتيجي، أم أن «مدينة المستقبل» تحتاج، اليوم، إلى إعادة ترتيب أولوياتها، وتحيين برامجها، والكشف بصراحة عن أسباب تعثرها وآفاق إخراجها إلى الواقع؟

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

نستخدم ملفات الكوكيز لنسهل عليك استخدام موقعنا الإلكتروني ونكيف المحتوى والإعلانات وفقا لمتطلباتك واحتياجاتك الخاصة، لتوفير ميزات وسائل التواصل الاجتماعية ولتحليل حركة الزيارات لدينا...لمعرفة المزيد

موافق