من نتائج الانتخابات إلى تشكيل الحكومة.. «الجرار» أمام تحدي التحالفات في المغرب
بعد إعلان النتائج المؤقتة لاقتراع 23 سبتمبر الذي اختار أعضاء مجلس النواب المغربي، حيث تصدر حزب «الجرار» بفارق واضح على أقرب منافسيه، باتت الأنظار موجهة نحو التحالف الذي سيقود الحكومة في المرحلة المقبلة. وتضفي طبيعة الخريطة السياسية التي أفرزتها الانتخابات التشريعية، فضلاً عن العلاقات بين مكوناتها، طابعًا من عدم اليقين حول سيناريوهات تشكيل الحكومة المقبلة، حيث تفتح جميع الاحتمالات أبوابها. وفقًا للدستور المغربي، ينص الفصل 47 على أن الملك يعين رئيس الحكومة من الحزب السياسي الفائز في انتخابات مجلس النواب، ويكلف رئيسها بتشكيل الحكومة بناءً على نتائج الانتخابات. أما الفصل 88، فيحدد أن رئيس الحكومة يتقدم أمام مجلسي البرلمان مجتمعين ليقدم البرنامج الحكومي، والذي يجب أن يشمل الخطوط الرئيسية للعمل في مختلف المجالات الاقتصادية والاجتماعية والبيئية والثقافية والخارجية. وبعد مناقشة البرنامج أمام البرلمانين، يتم تصويت في مجلس النواب، حيث تعتبر الحكومة منصبة فقط بعد حصولها على ثقة الأغلبية المطلقة للأعضاء، أي 198 عضوًا على الأقل. وتشير الفقرة الأخيرة من هذا الفصل إلى مبدأ «التنصيب البرلماني»، حيث أن تعيين الملك لرئيس الحكومة هو قرار سياسي، لكن شرعية الحكومة لا تتحقق إلا بعد الحصول على ثقة البرلمان بالأغلبية المطلقة. وفي حالة الانتخابات الأخيرة، سيحتاج حزب الأصالة والمعاصرة إلى تأمين 198 صوتًا على الأقل، وهو ما يعني أن عليه الدخول في تحالفات مع أحزاب أخرى لتأمين البرنامج الحكومي وتسهيل تنفيذه.
متغيرات جديدة ومعارضة قوية
في هذا السياق، أكد سعيد بركنان، الإعلامي والمحلل السياسي، أن نتائج الانتخابات التشريعية أفرزت «متغيرين أساسيين» لم يكنا موجودين في التشكيلة البرلمانية السابقة. الأول هو «حجم الانتصار السياسي لحزب العدالة والتنمية»، الذي حصد 54 مقعدًا، بعد أن كان يمثل فقط مجموعة برلمانية دون مستوى فريق. أما الثاني، فهو «تمكّن أحزاب اليسار من حصد مقاعد ذات مرجعيات سياسية وفكرية قوية»، ما سيؤسس لمعارضة برلمانية أكثر قوة من أي وقت مضى. وبحسب بركنان، فإن هذه المكونات الجديدة، إلى جانب أحزاب مثل الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية وحزب التقدم والاشتراكية، ستشكل معارضة برلمانية قادرة على مواجهة السياسات الحكومية بجدية، بعيدًا عن الشكلية التي كانت سائدة في البرلمان السابق. هذا الواقع سيضطر حزب الأصالة والمعاصرة، الذي سيعين رئيس الحكومة، إلى اختيار تحالف حكومي يضمن «أغلبية انسجام وقوة»، بالإضافة إلى «نخبة قادرة على الدفاع عن البرنامج الحكومي بفعالية أمام المعارضة القوية». وبالنظر إلى البراغماتية السياسية، يعتبر المحلل أن السيناريو الأكثر ترجيحًا هو «إعادة إنتاج التحالف الثلاثي السابق» بين الأصالة والمعاصرة، والتجمع الوطني للأحرار، وحزب الاستقلال. ويبرر هذا الخيار بأنه «يسهم في تفادي هدر الوقت السياسي والتنفيذي»، حيث أن أي تحالف معقد مع أحزاب متعددة قد يعرقل تنفيذ السياسات الاستراتيجية. كما شدد على أن المرحلة المقبلة تتطلب استقرارًا حكوميًا لمواكبة التحديات الاقتصادية والاجتماعية، بالإضافة إلى مسؤوليات دبلوماسية مهمة، خاصة مع اقتراب المغرب من استضافة كأس العالم 2030.
خيارات محدودة و«شرعية الإنجاز»
من جانبه، أوضح عبد الحميد بن خطاب، أستاذ العلوم السياسية بجامعة محمد الخامس، أن حزب الأصالة والمعاصرة يواجه «خيارات محدودة» في تشكيل التحالف الحكومي المقبل. ويؤكد أن القطبين الأساسيين لأي حكومة مستقبلية سيظلان التجمع الوطني للأحرار وحزب الاستقلال، بالنظر إلى خريطة التحالفات السابقة المنبثقة عن انتخابات 2021. ويبين أن محاولة الخروج عن هذا المسار، مثل التحالف مع حزب العدالة والتنمية، ستواجه عقبات كبيرة بسبب وجود «خطوط حمراء متبادلة» تمنع التعاون بينهما. وبالتالي، فإن تشكيل أغلبية جديدة بعيدًا عن التحالف الثلاثي الحالي يعتبر أمرًا صعبًا للغاية. ويستدرك بن خطاب بأن الواقع السياسي يفرض على الأصالة والمعاصرة «الالتزام بالدائرة المرسومة» وإعادة إنتاج التحالف الثلاثي السابق، حيث يمكن للدولتين أن يعتمدا على «شرعية الإنجاز» والحصيلة الحكومية السابقة. كما أن التجمع الوطني للأحرار وحزب الاستقلال سيضغطان بقوة في المفاوضات، حيث أن أي محاولة لاستبعاد أحد قطبي التحالف ستعقد عملية تشكيل الأغلبية بسبب محدودية مقاعد الأحزاب الأخرى. ويخلص إلى أن الأصالة والمعاصرة لن يجد مخرجًا أفضل من الاستمرار في التحالف الثلاثي، حيث يعتبر التجمع الوطني للأحرار «الخيار الأقل ضررًا». كما أنه لا يمكن للحزب أن يتخلص من تبعات الحصيلة الحكومية السابقة، حيث كان شريكًا أساسيًا فيها، بل ويؤكد على نجاحها. وفي هذا السياق، يؤكد على أن التآلف مع التجمع الوطني للأحرار والاستقلال يظل الخيار الأكثر ملاءمة لإعادة إنتاج التحالف الحكومي ببرنامج مشترك وتوافقات جديدة.






















