مالية جماعة الجديدة تحت المجهر.. من يراقب تدبير المال العام؟

alyaoum30 alyaoum304 سبتمبر 2026آخر تحديث :
مالية جماعة الجديدة تحت المجهر.. من يراقب تدبير المال العام؟

اليوم30: رضوان دليل

تدبير ميزانية جماعة الجديدة يفتح من جديد سؤال الحكامة والرقابة، في ظل الحاجة إلى توضيح مسارات الإنفاق والتحصيل وتتبع المشاريع والصفقات العمومية.

لا تختزل ميزانية الجماعة الترابية في أرقام تُدرج ضمن وثائق مالية وتُعرض للتداول والمصادقة، بل يتعلق الأمر بمال عام يفترض أن يخضع لقواعد الحكامة والشفافية وربط المسؤولية بالمحاسبة.

ومن هذا المنطلق، يطرح تدبير مالية جماعة الجديدة عدداً من الأسئلة المشروعة حول كيفية برمجة الاعتمادات وتنفيذها، ومدى تتبع النفقات والمداخيل، وكذا مستوى مراقبة المشاريع والصفقات العمومية، ومدى قدرة الآليات المؤسساتية القائمة على ضمان الاستخدام الأمثل للموارد المتاحة.

وتتوزع ميزانية الجماعة بين نفقات التسيير ونفقات التجهيز، وهي مجالات تختلف طبيعتها، لكنها تلتقي في ضرورة إخضاعها للتتبع والتقييم.

ففي مجال التسيير، تبرز نفقات مرتبطة بالأجور والتعويضات والخدمات والاقتناءات والنظافة والإنارة والصيانة والمحروقات وغيرها من المصاريف. وهنا تبرز الحاجة إلى تقييم مدى ارتباط هذه النفقات بالخدمات المقدمة فعلياً للساكنة، ومدى تحقيقها للنتائج المنتظرة.

أما في ما يتعلق بميزانية التجهيز، فإن الرهان يرتبط أساساً بمدى تنفيذ المشاريع المبرمجة وفق الاعتمادات المرصودة والآجال والمواصفات المحددة في الوثائق التعاقدية. كما يظل تتبع الأوراش والتحقق من جودة الأشغال ومراحل الإنجاز قبل صرف المستحقات من صميم التدبير المالي السليم.

وتشكل الصفقات العمومية بدورها أحد أهم المجالات التي تستدعي التتبع، بالنظر إلى ارتباطها المباشر بالمال العام. فالرقابة لا ينبغي أن تقتصر فقط على احترام الإجراءات والمساطر، وإنما تمتد، وفق الاختصاصات القانونية، إلى مدى استجابة الصفقة لحاجة فعلية، وتناسب كلفتها مع طبيعة الخدمة أو المشروع، وجودة التنفيذ، والقيمة التي تحصل عليها الجماعة مقابل النفقات الملتزم بها.

وفي الجانب الآخر، تبرز مسألة المداخيل والجبايات المحلية باعتبارها رافعة أساسية لتمويل الخدمات والمشاريع الجماعية.

وهنا يطرح سؤال التحصيل نفسه بقوة: ما حجم المداخيل التي تمت برمجتها؟ وما هي المبالغ التي جرى تحصيلها فعلياً؟ وما حجم المتأخرات؟ وما الإجراءات المتخذة لتحسين التحصيل وتتبع الموارد المرتبطة بالرسوم والواجبات والممتلكات الجماعية؟

فالنجاعة المالية لا تقاس فقط بحجم الاعتمادات المرصودة، وإنما أيضاً بقدرة الجماعة على تعبئة مواردها وتحسين استخلاصها وترشيد نفقاتها.

وفي هذا السياق، تكتسي الرقابة المؤسساتية أهمية خاصة، سواء من داخل المجلس الجماعي أو عبر الآليات والأجهزة المخولة قانوناً لمراقبة وتقييم تدبير الجماعات الترابية.

كما أن أعضاء المجلس، كل من موقعه واختصاصاته، يفترض أن يكونوا قادرين على ممارسة أدوارهم في التداول والتتبع وطلب التوضيحات والمعطيات التي تساعد على تقييم القرارات والبرامج والمشاريع.

وتبرز هنا مسألة المسؤولية في تدبير القرار المالي، إذ إن أي ملاحظة مرتبطة بنفقة أو مشروع أو صفقة أو مورد مالي تستدعي، عند الاقتضاء، النظر في مختلف مراحل اتخاذ القرار وتنفيذه، وتحديد اختصاصات ومسؤوليات المتدخلين، بدل الاكتفاء بتحميل المسؤولية لطرف واحد دون معطيات دقيقة.

ومن هذه الزاوية، فإن طرح سؤال الرقابة على رئيس المجلس ومكتب المجلس لا ينبغي أن يفهم باعتباره اتهاماً مسبقاً، وإنما باعتباره جزءاً من النقاش المؤسساتي الطبيعي حول كيفية ممارسة الاختصاصات وتدبير المال العام.

فالرئاسة، كما الأغلبية والمعارضة وباقي المتدخلين، تظل خاضعة للقواعد القانونية والمؤسساتية المنظمة للعمل الجماعي، ولا يمكن أن تكون الأغلبية العددية بديلاً عن الرقابة أو المساءلة.

والأهم أن النقاش حول مالية جماعة الجديدة ينبغي ألا يتحول إلى سجال سياسي أو تصفية حسابات، بل إلى نقاش مبني على الوثائق والمعطيات الرسمية، وعلى تقييم موضوعي للنتائج التي تحققت على أرض الواقع.

لذلك، فإن نشر المعطيات المالية المتاحة، وتوضيح مسارات تنفيذ الميزانية، وتتبع المشاريع والصفقات، وتحليل المداخيل والمصاريف، ومناقشة ملاحظات أجهزة الرقابة المختصة، كلها خطوات من شأنها تعزيز الثقة بين المؤسسة المنتخبة والساكنة.

وفي النهاية، فإن حماية المال العام لا تعني حماية أي مسؤول من المساءلة، كما أن المساءلة لا تعني توجيه الاتهامات دون أدلة.

المعادلة أبسط من ذلك: وثائق واضحة، رقابة فعلية، مسؤولية محددة، ومساءلة تستند إلى القانون والمعطيات.

فميزانية جماعة الجديدة ليست ملكاً لرئيس المجلس ولا لمكتبه ولا للأغلبية ولا لأي جهة أخرى، وإنما هي موارد عمومية يفترض أن تُدبر لخدمة المدينة وساكنتها.

ومن هنا يبقى السؤال المشروع مفتوحاً:

هل تملك آليات الرقابة المحلية والمؤسساتية ما يكفي لضمان تتبع فعلي لتدبير مالية جماعة الجديدة، وربط المسؤولية بالمحاسبة كلما أثبتت الوثائق وجود اختلالات؟

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

نستخدم ملفات الكوكيز لنسهل عليك استخدام موقعنا الإلكتروني ونكيف المحتوى والإعلانات وفقا لمتطلباتك واحتياجاتك الخاصة، لتوفير ميزات وسائل التواصل الاجتماعية ولتحليل حركة الزيارات لدينا...لمعرفة المزيد

موافق