المنتدى الوطني للمدرس بالمغرب: من التأسيس والتعبئة إلى ترسيخ الابتكار وقيادة التحول التربوي بالمنظومة التعليمية.

alyaoum30 alyaoum3026 أغسطس 2026آخر تحديث :
المنتدى الوطني للمدرس بالمغرب: من التأسيس والتعبئة إلى ترسيخ الابتكار وقيادة التحول التربوي بالمنظومة التعليمية.

 تشكل مهنة التدريس حجر الزاوية في كل مشروع إصلاحي يستهدف تطوير المنظومات التعليمية وتحقيق الجودة والإنصاف؛ ومن هذا المنطلق البيداغوجي والاستراتيجي، أطلقت وزارة التربية الوطنية والتعليم الأولي والرياضة، في إطار التنزيل الإجرائي لخارطة الطريق 2022-2026، دينامية المنتدى الوطني للمدرس كفضاء تفاعلي ومحطة مرجعية لتأطير التحول التربوي الشامل، وتتجسد الأهمية الأكاديمية والتنظيمية لهذا المنتدى في استمراريته وتطوره المتواصل عبر نسختيه الأوليين، حيث تأسست اللبنة الأولى عبر المؤطرات الإجرائية المبرمجة للموسم الدراسي 2023/2024، واعتمدت الدورة الأولى التأسيسية شعار "التزام مشترك من أجل مدرسة ذات جودة للجميع"، واستكملت بناءها الهيكلي والعلمي بالانعقاد المتكامل للدورة الثانية خلال الموسم الدراسي 2025/2026 بالرباط تحت شعار "المدرس في قلب التحول التربوي" بشراكة مع مؤسسة محمد السادس للنهوض بالأعمال الاجتماعية للتربية والتكوين. إن القراءة المتأنية في مضامين النسختين تعكس الانتقال المنهجي للمنظومة التعليمية من منطق التدبير الإداري العام إلى التعبئة الميدانية الموجهة والارتقاء المهني البيداغوجي. 

استندت النسخة الأولى للمنتدى (2023/2024) إلى رؤية تأسيسية ركزت على إرساء آليات المشاركة والتواصل الفعال وتثمين المبادرات المتميزة في الميدان التربوي، وقد انطلقت هذه المحطة من استراتيجية حصر واختيار الفاعلين الأكاديميين والممارسين الميدانيين الذين أسهموا في تحقيق نتائج ملموسة ضمن برامج خارطة الطريق؛ إذ تم التركيز على الأساتذة والأطر التي أشرفت على تأطير التلميذات والتلاميذ المتوجين في المسابقات الوطنية والدولية، ومبادرات التنمية المستدامة، والرياضة المدرسية، والمجالات الرقمية، ومسابقات تحدي القراءة، إضافة إلى الفاعلين المباشرين في تنزيل نموذج “مدارس الريادة” وفي تنظيم المشاورات الترابية الموسعة. ومثلت هذه الدورة الأولى مرحلة تشخيصية وتعبوية نجحت في إعادة الاعتبار للخبرة الميدانية للمعلم وتجميع الطاقات الوطنية القادرة على قيادة التغيير من داخل الفصل الدراسي.
امتداداً لهذه الدينامية التأسيسية، جاءت الدورة الثانية للمنتدى، التي احتضنها فضاء OLM السويسي بالرباط يومي 25 و26 مارس 2026 تحت الرعاية السامية لصاحب الجلالة الملك محمد السادس، لتكرس المنتدى كمنصة علمية دولية ووطنية رفيعة المستوى تجمع أكثر من 3500 مشارك يومياً من مختلف المديريات الإقليمية بالمملكة ومن الخارج. أظهرت هذه النسخة نضجاً بيداغوجياً وهيكلياً استثنائياً، تمثل في تنظيم ما يزيد عن 150 جلسة وورشة عمل توزعت على أكثر من 14 فضاء للمحتوى، وشارك فيها أكثر من 130 متدخلاً ومن التخصصات التربوية والنفسية والتكنولوجية وقد غطت النقاشات الأكاديمية مجالات حيوية متعددة، تمثلت في تقييم أثر البيداغوجيا المهيكلة ونموذج “مدارس وإعداديات الريادة”، ودراسة إدماج أدوات الذكاء الاصطناعي التوليدي والتكنولوجيات الرقمية في الممارسات التدريسية، إلى جانب تعميق النظر في الصحة النفسية والرفاه الاجتماعي والعاطفي لكل من المدرس والمتعلم، كما أفردت الدورة محاور علمية رصينة للحد من الهدر المدرسي عبر الانتقال من رد الفعل إلى الوقاية الاستباقية، وتعزيز الشراكات بين الأسرة والمدرسة، وترسيخ التربية الدامجة لفائدة الأطفال في وضعية إعاقة، فضلاً عن تنمية المهارات الحياتية والأنشطة الموازية كالسينما والمسرح واللعب البيداغوجي.

تفضي هذه قراءة مسار المنتدى الوطني للمدرس في نسختيه إلى مجموعة من الخلاصات العلمية والاستراتيجية؛ أولاها أن المنتدى أثبت نجاعته كآلية مؤسساتية لتحويل الممارسات البيداغوجية النظرية إلى خبرات ميدانية ومكتسبات مشتركة بين الأطر التعليمية، وثانيتها أن الانتقال من التعبئة الأولية في موسم 2023/2024 إلى الزخم العلمي والتقني لموسم 2025/2026 ، يعكس التزاماً راسخاً بوضع المدرس في مركز ثقل الإصلاح، ليس فقط كمُنَفِّذ للسياسات التعليمية بل كفاعل استراتيجي وصانع للتحول التربوي، وثالثتها أن الجمع بين التكريم والاعتراف بالتميز المهني عبر جوائز المعلم المتميز والمؤسسات الرائدة وإنتاج أدب الأطفال وبين التكوين المستمر والبحث العلمي التطبيقي، يمثل الصيغة الأمثل لتعزيز جاذبية مهنة التدريس والارتقاء بجودة المدرسة العمومية المغربية وجعلها قادرة على رفع تحديات المستقبل ورسالة بناء مجتمع المعرفة.
إن المنتدى الوطني للمدرس ليس مجرد ملتقى تنظيمي عابر، بل مشروعاً يُرسخ تحولا إبستمولوجياً في التعاطي مع المسألة التعليمية بالمغرب، إن نجاح المنتدى في الجمع بين الأصالة البيداغوجية والابتكار التكنولوجي، وحرصه على ربط التميز الميداني بالرفاه النفسي والاجتماعي لأطراف العملية التعليمية، يجعله مختبرا وطنيا لصياغة السياسات التربوية القائمة على أدلة الممارسة والبحث التطبيقي، وبذلك، تظل هذه الدينامية الاستراتيجية الضامن الأساس لإعادة الاعتبار للمدرسة العمومية كفضاء للارتقاء الاجتماعي وبناء المواطنة، ومحركاً محلياً لمواكبة التحولات العالمية، بما يضمن للمتعلم المغربي حقه الأصيل في تربية دامجة، منصفة، وذات جودة عالية تدخله بثقة إلى أفق مجتمع المعرفة.

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

نستخدم ملفات الكوكيز لنسهل عليك استخدام موقعنا الإلكتروني ونكيف المحتوى والإعلانات وفقا لمتطلباتك واحتياجاتك الخاصة، لتوفير ميزات وسائل التواصل الاجتماعية ولتحليل حركة الزيارات لدينا...لمعرفة المزيد

موافق