هشام العقراوي استاد باحث كلية العلوم القانونية والسياسية بني ملال جامعة السلطان مولاي سليمان
تتجاوز ذكرى ثورة الملك والشعب في 20 غشت بعدها التاريخي لتشكل محطة وطنية تختزل واحدة من أقوى صور التلاحم بين العرش والشعب في مواجهة الاستعمار والدفاع عن السيادة الوطنية، فقد جسد نفي السلطان محمد الخامس سنة 1953 محاولة لضرب رمز الشرعية الوطنية وتفكيك الوحدة السياسية والاجتماعية للمغاربة، غير أن النتيجة جاءت عكسية، إذ تحولت الأزمة إلى لحظة تاريخية أعادت التأكيد على وحدة المغرب وعلى مركزية المؤسسة الملكية في الوعي الوطني.
وتكمن الدلالة الأولى لهذه الثورة في قوة الشرعية الوطنية؛ فمحاولة فرض إرادة استعمارية عبر إبعاد السلطان لم تستطع أن تفصل المغاربة عن رمز سيادتهم، بل جعلت من الدفاع عن الملك دفاعاً عن الوطن، ومن مقاومة الاستعمار تعبيراً عن التشبث بالاستقلال والكرامة الوطنية.
أما دلالتها الثانية فتتجلى في التلاحم بين العرش والشعب، وهو تلاحم لم يكن مجرد شعار سياسي، وإنما تحول إلى قوة مجتمعية أسهمت في تصاعد المقاومة الوطنية وصولاً إلى عودة الملك محمد الخامس وانطلاق مرحلة جديدة انتهت بتحقيق الاستقلال سنة 1956.
كما تحمل هذه الذكرى دلالة مهمة مرتبطة بـاستمرارية الدولة المغربية ووحدة مؤسساتها ورموزها، فالتاريخ المغربي الحديث يبرز أن قضية السيادة لم تكن منفصلة عن قضية الشرعية، وأن الدفاع عن الاستقلال ظل عنصراً أساسياً في بناء الدولة المغربية الحديثة.
وفي السياق التاريخي الراهن، تكتسب ثورة الملك والشعب دلالة إضافية تتمثل في القدرة على تحويل الأزمات إلى فرص لتعزيز الوحدة الوطنية، فالمغاربة اليوم، وهم يستحضرون هذه الذكرى، لا يستحضرون فقط حدثاً من الماضي، وإنما يستحضرون قيمة سياسية ووطنية تتمثل في وحدة الصف، والتعبئة الوطنية، وربط الاستقلال السياسي بالاستقلال في القرار والتنمية والدفاع عن المصالح الاستراتيجية للمملكة.
ومن ثم، فإن ثورة الملك والشعب ليست مجرد ذكرى تاريخية، بل هي ذاكرة سياسية حية تؤكد أن قوة المغرب تكمن في تماسك جبهته الداخلية، وفي قدرته على الجمع بين الشرعية التاريخية، والوحدة الوطنية، واستمرارية الدولة، والدفاع عن المصالح العليا للمملكة.
ولعل الرسالة الأبرز التي تحملها هذه الذكرى اليوم هي أن التلاحم الوطني ليس استحضاراً للماضي فحسب، وإنما رصيد استراتيجي لمواجهة تحديات الحاضر وبناء المستقبل؛ فكما استطاع المغاربة بالأمس تحويل محاولة إخضاعهم إلى بداية النهاية للاستعمار، فإن رهان اليوم يتمثل في تحويل الوحدة الوطنية إلى قوة للتنمية، والسيادة إلى قدرة على المبادرة، والذاكرة الوطنية إلى مشروع متجدد لبناء مغرب قوي ومتوازن وفاعل في محيطه الإقليمي والدولي.





