مصطفى عفيف
في مشهد احتفالي حضره الوزير “قيوح” وزير النقل واللوجستيك، تم يوم فاتح يونيو 2026 بميناء طنجة تدشين العبارة الجديدة “GNV Aurora”، وسط إشادة رسمية باعتبارها إضافة نوعية لأسطول النقل البحري الرابط بين المغرب وأوروبا، خاصة في سياق الاستعدادات لموسم عبور الجالية المغربية المقيمة بالخارج.
غير أن ما بدا في الواجهة حدثاً يعكس تطور العرض البحري بالمملكة، يطرح في العمق أسئلة استراتيجية تتجاوز لحظة التدشين والصور التذكارية، لتلامس إشكالية أعمق تتعلق بمستقبل السيادة البحرية المغربية وموقع الاستثمار الوطني داخل قطاع حيوي ظل لعقود تحت هيمنة فاعلين أجانب.
سفينة جديدة.. لكن الملكية أجنبية
بالعودة إلى المعطيات التقنية، فإن السفينة “GNV Aurora” ليست سفينة مغربية، بل تعود ملكيتها لشركة GNV الإيطالية المتخصصة في النقل البحري للمسافرين والبضائع، التابعة لمجموعة MSC العالمية، إحدى أكبر المجموعات الدولية في مجال الشحن والخدمات اللوجستية.
ورغم أن تشغيل سفن حديثة على الخطوط البحرية المغربية يساهم في تحسين جودة الخدمات ورفع الطاقة الاستيعابية للنقل البحري، فإن التساؤل الذي يطرحه عدد من المتتبعين يتمثل في حجم العائد الحقيقي الذي يستفيد منه الاقتصاد الوطني عندما تكون ملكية السفن ورؤوس الأموال والأرباح النهائية متمركزة خارج المغرب.
استثمارات ضخمة في الموانئ.. وغياب لأسطول وطني مؤثر
خلال العقدين الأخيرين، استثمر المغرب مليارات الدراهم في تطوير بنياته المينائية، محولاً موانئه إلى منصات لوجستية ذات إشعاع إقليمي ودولي. ويبرز ميناء طنجة المتوسط كأحد أهم الموانئ في البحر الأبيض المتوسط وإفريقيا، فيما يرتقب أن يشكل مشروع ميناء الناظور غرب المتوسط رافعة إضافية لتعزيز مكانة المملكة في التجارة البحرية العالمية.
لكن مقابل هذا التطور الكبير في البنية التحتية، يلاحظ خبراء ومهتمون بالشأن البحري أن المغرب لا يتوفر على أسطول وطني قوي قادر على الاستفادة من الدينامية المتزايدة لحركة المسافرين والبضائع، وهو ما يجعل جزءاً مهماً من العائدات المرتبطة بالنقل البحري يتجه إلى شركات أجنبية تنشط على الخطوط البحرية المغربية.
ملايين المسافرين سنوياً.. فمن يستفيد؟
تشهد الموانئ المغربية سنوياً حركة عبور كثيفة، خاصة خلال عملية “مرحبا”، حيث يتم نقل ملايين المسافرين ومئات الآلاف من العربات بين ضفتي المتوسط.
وبينما تؤدي الموانئ المغربية دورها كبوابات عبور استراتيجية، يثار نقاش متجدد حول مدى استفادة الاقتصاد الوطني من هذه الحركة، في ظل محدودية مساهمة شركات النقل البحري الوطنية مقارنة بحجم السوق المتاح.
ويرى متابعون أن امتلاك أسطول وطني قوي لا يتعلق فقط بالجانب الاقتصادي، بل يندرج أيضاً ضمن اعتبارات الأمن الاستراتيجي والسيادة اللوجستية، خاصة في ظل التحولات التي يشهدها قطاع النقل البحري العالمي والأزمات المتكررة التي تؤثر على سلاسل الإمداد الدولية.
أسئلة تنتظر الأجوبة
تدشين سفينة جديدة بميناء مغربي يظل دون شك حدثاً إيجابياً من زاوية تطوير العرض وتحسين الخدمات، غير أن النقاش الحقيقي يظل مرتبطاً بما إذا كانت المملكة تمتلك رؤية متكاملة لبناء قوة بحرية تجارية وطنية موازية لما تحقق في مجال البنيات التحتية المينائية.
فهل سيظل المغرب مجرد منصة لوجستية تستفيد منها الشركات الدولية الكبرى؟ أم أن المرحلة المقبلة ستشهد إطلاق سياسة بحرية وطنية قادرة على خلق فاعلين مغاربة أقوياء في قطاع النقل البحري، بما يضمن استرجاع جزء أكبر من القيمة المضافة التي ينتجها هذا النشاط الاستراتيجي؟
أسئلة تفرض نفسها بإلحاح كلما تم الاحتفاء بسفينة جديدة ترفع أعلاماً أجنبية، في وقت لا يزال فيه حلم الأسطول الوطني القادر على المنافسة ينتظر التحقق.





















