محمد لحميدي.
قبل البدء في الحديث عن الزاوية الصوفية القاديرية أو ما يطلق عليها بالرابطة القاديرية الموجودة بمدينة برشيد، وجب التذكير بالزاوية البودشيشية التي تعد اليوم من أكبر الزوايا بالمغرب وإفريقيا، والتي تضم مجموعة من النخب المثقفة والعارفة بأمور الدين والتصرف، سواء داخل المغرب أو خارجه، خصوصا بأوروبا وأمريكا.
وترجع جذور الزاوية البودشيشية إلى الشيخ مولاي عبد القادر الجيلاني، مؤسس الطريقة القاديرية البودشيشية في بغداد بالعراق.
وقد ركز شيوخها، سواء الأولون أو المعاصرون مثل الشيخ جمال الدين، على تصوف الجمال والمحبة والتسامح والتألق في فن المديح والسماع، وذكر الله كأداة للتربية الروحية للتصوف، كما اشتهرت الزاوية القاديرية واقترنت بالكرم وإيواء عابري السبيل وإطعام الفقراء والمساكين، وهي صفات حسنة حميدة تعود إلى الجد الأكبر علي بن محمد الذي كان يطعم الناس والفقراء أيام المجاعة والجفاف ويقدم لهم الوجبة المعروفة (بالدشيشة)، كما كان يهب الأراضي لبناء المساجد وبناء الزوايا والمقابر لدفن أموات المسلمين، دون البحث عن أصلهم وفصلهم ونسبهم، فالمقابر تهدى في سبيل الله لدفن أموات المسلمين ولم تستعمل قط في الرياء والتمييز بين البشر (لا تدري نفس بأي أرض تموت).
وكل بني آدم سواسية أمام الله تبارك وتعالى، ولا فرق بين عربي وعجمي إلا بالتقوى.
وذكر فإن الذكرى تنفع المؤمنين.
كانت الزاوية القاديرية بمدينة برشيد تعتبر واحدة من أهم وأبرز وأعرق الزوايا بالمنطقة إلى جانب زاوية سيدي أحمد بن إدريس والزاوية الناصرية، كان ذلك بداية القرن العشرين،
حيث تميزت برجالاتها الأتقياء الأنقياء، نذكر على سبيل المثال مولاي المدني ومولاي الطيبي ومولاي الصادق وسيدي لبصير ومولاي أمحمد بن جيلالي وسيدي الحاج بن عبد الله بوشاشية وسيدي محمد بن جيلالي.
كما عرفت الزاوية بتقديمها لعدد هائل من الدكاترة والأطباء والأساتذة الجامعيين والمحدثين والمحاميين وشخصيات عسكرية وسياسية ومدنية، وكان لهم الأثر الطيب بمراكز القرار بالمملكة المغربية الشريفة لانخراطهم القوي في المشهد السياسي والعسكري والاجتماعي بالمملكة.
وحفاظا على الأمانة التاريخية، فقد انفردت الزاوية القاديرية بمدينة برشيد وحظيت في شخص شيخها الولي الصالح سيدي جيلالي بخمسة ظهائر شريفة من ملوك وسلاطين الدولة العلوية ، ظهير مولاي سليمان وظهير مولاي عبد الرحمان بن هشام وظهير مولاي الحسن الأول وظهير مولاي يوسف وآخرهم ظهير لمحمد الخامس، تقديرا لعطاءات وكرامات سيدي جيلالي، والذين كانوا يكنون له كل احترام وتقدير، الشيء الذي جعله يمتلك سلطة تحكيمية وفرت الأمان والملجأ للمستضعفين والفقراء وجعلت من قصبة برشيد آنذاك دارا للأمان والضمان.
ورغم مكانة سيدي جيلالي المرموقة بالمجتمع، لم يفرض في عهده على مريديه الانعزال عن الدنيا والبشر، بل شجعهم على الكسب الحلال والعمل والتجارة والفلاحة، مع التركيز على الأوراد والاستغفار والصلاة على النبي والعمل على استقطاب مريدين آخرين لتعزيز الزاوية، كما هو الشأن بزاوية مداغ حيث تجد مريدين من جميع بقاع العالم.
لكن مع كل الأسف، اليوم الزاوية القاديرية بمدينة برشيد لم تستمر في أداء أدوارها الروحانية والثقافية من خلال المحافظة على تلاحم سكان المنطقة وإحياء المناسبات الدينية وتأكيد مكانة الزاوية، كإحدى المعاقل الروحية والتاريخية بالمنطقة كما أراد لها سيدي جيلالي لعميري.
حيث بات بعض أعضائها رهينة حزازات وصراعات وحسابات الآنى والربح والامتيازات وغضب التنظيم، قضايا معروضة حاليا على أنظار محاكم المملكة، تصرفات لا تشرف لا الانتساب ولا الانتماء.
وعليه فالزاوية حاليا مطالبة بإعادة النظر في كيفية اختيار أعضائها الذين يمكن لهم إعطاء الإضافة المرجوة لها ولمر يديها، وتحديد معايير صارمة لقطع الطريق على العناصر التي تأكلت وتقادمـت والتي يمكن لها أن تسيء إلى سمعة الزاوية والرابطة، كما أراد لها وأسس مبادئها الولي الصالح سيدي جيلالي، وتزويد الجدد منهم بدليل قصد تسليحهم بالثقافة القاديرية البوتشيشية المبنية على المحبة والإخاء والعلاقات الطيبة بين الناس والكرم والتسامح.
اعلموا هداكم الله،
أن التمييز في دفن أموات المسلمين أو منعهم بالمرة عمل عنصري يتنافى مع مبادئ الدين الإسلامي ومع مبادئ سيدي جيلالي نفسه، لأنه لم يوصي قط هو ولا أبناؤه بدفن فلان ومنع فلان، فهو بريء مما تقومون به براءة الذئب من دم يوسف، فالصراعات والحزازات والوقوف أمام المحاكم والتفرقة بين أبناء الولي الواحد لا تخدـم مبادئ الزاوية ولا هي من صفات وأخلاق السلف الصالح، بالعكس هي إساءة لهم، كما أن خطابات ومبررات هؤلاء الأعضاء تجاوزها الزمن، فهم يسعون من خلالها الى بلقنة المنطقة.
موتوا برحمكم الله قبل نفاد القبور من المقبرة لكي تفوزوا وتنعموا بقبر قرب ضريح سيدي جيلالي.
ونضع السؤال:
قريبا ستمتلأ المقبرة عن آخرها،
أين ستقومون بدفن أمواتكم؟
هل ستلجؤون إلى مقبرة الرضوان؟
كيف سيكون موقفكم إذا رفضوا دفن موتاكم ؟
كما تفعلون أنتم حاليا.
وأوصيطكم خيرا بالتفكير في اقتناء أرض لدفن موتاكم عوض الذهاب للترفيه والزرود بمدينة أزمور (لأن عرف المعروف انتهى مع مواليه)، والصراعات الداخلية والوقوف أمام المحاكم مع بني جلدتكم حول الأرض ومن يرثها ومن يستغلها ومن له الحق في كرائها والتصرف في أموالها، فهي ليست من شيم الأجداد.
واعلموا جيدا رعاكم الله أن سيدي جيلالي لعميري اسمه حاضر في الوجدان الشعبي لحريزي، لأنه لم يكن يبحث أبدا عن المجد القبيلة ولا مكانة اجتماعية كما تفعلون أنتم حاليا.
فالزاوية القاديرية تحتاج إلى رجال رشداء يفهمون ويذكرون الناس بأن الشرف لا يكتمل إلا إذا استقر في القلب قبل العقل.
نعم أقولها لأن لدي انتسابا وغيرة على سيدي جيلالي، وأكررها، وأنا في كامل قواي العقلية والبدنية. ستموتون وسيبقى اسم سيدي جيلالي لعميري حيا كوكبا واضحا في الذاكرة الحريزية والمغربية قرونا طويلة، بينما ستغيب أسماؤكم وستمحى إلى الأبد، ولم ولن يذكركم أحد.
أكتفي بهذا القدر.
هل من مستوعب للرسالة أم أن العناد والآنى والرياء أعمى القلوب التي في الصدور؟
للحديث بقية الأسبوع المقبل إن شاء الله.






















