فاس القديمة تحفظ أسرارها بين أسوارها المتداخلة
كانت فاس منذ قرون مدينة تُبنى على طبقات من الزمن، لا على خطط معتمدة. لم تكن تتوسع بتخطيط واحد، بل عبر تعاقب الدول التي استقرّت عليها، وسكانها الذين توسّعت معهم، حتى أصبحت مدينة متراكبة في نفسها. أسسها الأدارسة، ثم توحّد المرابطون عدوتيها، واتخذها المهدي بن تومرت مكانًا لخلوته، قبل أن يضيف المرينيون سنة 1276 إلى غربها فاس الجديد، تلك المدينة التي لم تكن مجرد إضافة، بل كانت امتدادًا لذاكرة أعمق. خلف الاسم الواحد، مدن متراكبة، وخلف المشهد المتجانس، قرون من الإضافة والتعديل، حتى أصبحت فاس كتابًا لمؤلف واحد، بل لكثيرين، كل منهم ترك بصمته على صفحاته.
ما أن تعبر باب بوجلود حتى تشعر بأنك تنتقل من عصر إلى عصر. خلفك، المدينة الحديثة مع سياراتها وإشاراتها المستقيمة، وأمامك فاس القديمة التي تتعرج أزقتها كما لو كانت تحفظ سرًا لا تريد أن يصل إليه الزائر بسرعة. الباب نفسه، بفسيفسائه الزرقاء من الخارج والخضراء من الداخل، كأنه يعلن عن وجود وجهين للمدينة: وجه تقدمه للقادم، ووجه آخر لا يكشفه إلا لمن يدخلها. رغم مظهره القديم، يعود شكله الحالي إلى مطلع القرن العشرين، لكنه نجح، مثل الكثير في فاس، في أن يكتسب من جواره هيبة القرون الماضية.
من الباب، تبدأ الطالعة الكبيرة والطالعة الصغيرة، شريانان ينحدران نحو قلب المدينة القديمة. السير عبرهما يشبه الهبوط بطيء في طبقات التاريخ. الدكاكين متلاصقة كأنها تتقاسم جدارًا منذ الأزل، والروائح تتناوب على المار: نعناع، عنبر، خشب الأرز، جلد، توابل وخبز ساخن. فوق الرؤوس، تتقارب البيوت حتى لا تترك للسماء إلا شريطًا أزرق ضيقًا، كأن المدينة تريد الزائر أن يرى ما صنعته الأيدي على الأرض، وما تركه الزمن على الأبواب والجدران والناس.
في الطريق، تستوقفك المدرسة البوعنانية، شامخة في هدوءها المريني. بنيها السلطان أبو عنان المريني في القرن الرابع عشر، وكانت مدرسة ومسجدًا وفضاء للعلم. حول تأسيسها، تتداخل روايتان: إحداهما تقول إن السلطان أراد التكفير عن ذنوبه، فاستشار العلماء، فأشاروا إليه بتحويل موضع تتراكم فيه النفايات إلى مدرسة، ليكون إعمار المكان سبيلًا إلى إصلاح النفس. أما الرواية الأخرى، فتربط بناء المدرسة بغرامه بامرأة عاب عليها الفقهاء، فاختار موضعًا تنفر منه النفوس وأقام عليها تحفة معمارية، ثم واجه منتقديه بقوله: «إذا كان المكان يمكن أن يتغير، فلماذا لا يكون للإنسان الحق نفسه في أن يتغير؟». ربما كانت الروايتان وجهين لحكاية واحدة، أو تأويلين مختلفين لجمال أثار الخيال.
هنا، يفتنك الجص الذي تحوّل إلى كتابة، وخشب الأرز الذي صار هندسة معلقة، والزليج الذي يذكّر بأن الجمال في الحضارة المغربية ليس زينة ملحقة بالحياة، بل طريقة في إدراك العالم. يبدو العلم كأنه يحتاج إلى الجمال كي يكتمل، وتبدو الزخرفة كأنها تحس وتفكر بصمت.
قبالة المدرسة، توجد دار المكانة، حيث ترتبط الواجهة بذاكرة الساعة المائية. خارجها، تمضي الحياة في المساومة والحمل والنداء، وداخلها، وقت للدرس والصلاة. بين الاثنين، احتاجت المدينة إلى معرفة الساعة، فأنشأت أداة تجمع بين العلم والعمران، وتجعل للماء عملًا آخر بعد إرواء العطش.
تستمر النزول في الطالعة الكبيرة، وتتدفق الحواس على المعرفة. تصل الرائحة قبل اسم الدكان، ويأتي صوت المطرقة قبل أن ترى يد صاحبها. تمر عين أزليتن، ثم تتوالى الأسواق والحرف، والشرابليين وما يتفرع عن المحور من دروب، حتى تشعر بأن أسماء الأمكنة نفسها بقايا وظائف قديمة التصقت بالجغرافيا. عند معنى الاسم في فاس، كان الناس يسمون المكان بما يفعلونه فيه أو بما يجدونه عنده، ثم يورثون الاسم، ليصبح وثيقة موجزة عن طريقة عيشهم.
يتضيق الدرب أكثر، ويتحول السير إلى تفاوض دائم مع العابرين والبغال والعربات الصغيرة. تسمع من خلفك نداء: «بالاك، بالاك!» فتلتصق بالجدار، وتمر الدابة محملة بما تحتاجه المدينة. هنا تدرك أن فاس البالي كائن حي ما زال يستعمل شرايينه القديمة. الأبواب تفتح، وبيوت نار الأفران تشتعل، والحرف تتوارثها الأيدي، وإن تغير العالم خارج الأسوار.
تصل إلى سوق الحناء، ذلك الفضاء الصغير الذي يحمل في اسمه ذاكرة مادة وحرفة واستعمال يومي، وتجاوره ذاكرة مارستان سيدي فرج. عادة، ينجذب الحديث عن المدن إلى قصور السلاطين ومآثر العلماء، بينما تكشف طريقة استقبال المريض والضعيف جانبا آخر من أخلاق العمران. أسأل نفسي: كم من الذين مروا من هنا كان وجعهم سببا في أن تنشأ مؤسسة للعلاج والرعاية في محاولة مدينة أن تخفف ألم شخص مجهول؟
تستعير ساحة النجارين قليلا من الفسحة بعد ضيق الدرب. أمام السقاية وفندق النجارين، يستوقفني هذا الاقتران بين الماء والسفر والعمل. شُيّد الفندق في العصر العلوي في بداية القرن الثامن عشر، وكان فضاء للتجارة والإقامة وتخزين البضائع؛ محطة لمن يصلون إلى فاس من طرق بعيدة محملين بالأخشاب والسلع والأخبار. اليوم، هو متحف لفنون الخشب وحرفه، لكنه لا يزال يحتفظ بمعنى الضيافة القديمة: فناء في الوسط، وغرف تطل عليه من الطبقات العليا، وبناء يجعل من الداخل عالمًا مستقلا يحتمي من صخب السوق.
تصل إلى النافورة المزخرفة التي تبدو مثل قصيدة ملحون من الزليج والخشب المنقوش. في فاس حتى الماء له ذاكرة. النوافير المنتشرة في الأحياء كانت جزءا من نظام اجتماعي وعمراني يهب الماء للساكن والعابر والدابة والطير.
تطيل النظر في الخشب، تفكر في الشجرة التي كانت يوما تستقبل المطر وتظل العابرين من حر القيظ، ثم أصبحت بابا أو سقفا أو منبرا. بين الغابة والمدينة، سلسلة من الأيدي والمعارف والطرق والعرق. ما تراه قطعة جميلة كان، قبل أن يستقر هنا، رحلة كاملة. في النقش، أثر عين تعبت، ويد ترددت ثم أصابت، ووقت طويل لم نره. من حق الذين صنعوا هذا الجمال أن يكون لهم نصيب من ذاكرتنا، حتى حين نجهل أسماءهم.
تستمر في شبكة الأسواق، تمر بالقيسارية بما تختزنه الكلمة من تاريخ التجارة المنظمة، وتتكاثف الدكاكين حول مجال يكاد فيه الاقتصاد يلامس المقدس. هنا، لا تفصل بين السوق والجامع حدود حادة، يخرج المرء من البيع إلى الصلاة، ومن طلب الرزق إلى طلب البركة، ومن ضجيج المساومة إلى خشوع العبور.
عند ضريح مولاي إدريس الثاني، تبلغ الرحلة قلبها الروحي. إلى إدريس الثاني يُنسب استكمال بناء فاس وجعلها عاصمة لدولة ناشئة في مطلع القرن التاسع. حول ضريحه، تشكلت حرمة خاصة، وظل المكان مقصدا للزوار وأهل المدينة. تمر قربه فتنخفض الأصوات تلقائيا. تبدو الذاكرة هنا علاقة وجدانية بين المدينة ومؤسسها، بين المكان ومن منحه أحد معانيه الجامعة.
في قلب هذا النسيج، تظهر جامعة القرويين، تتوزع روحا في الحي كله. ارتبط تأسيس جامع القرويين في القرن التاسع باسم فاطمة الفهرية، المرأة التي جعلت من مالها وقفا للعبادة والعلم. ثم اتسع الجامع عبر العصور وصار أحد أعظم مراكز المعرفة في الغرب الإسلامي، يؤمه الفقهاء واللغويون والعلماء والطلاب القادمون من المغرب والأندلس وإفريقيا.
تقف قرب أبوابه، يصعب أن ترى المكان كاملا. إنه مثل امرأة غنوج لا تمنحك نفسها في لقطة واحدة. تكشف لك بابا، قوسا، جزءا من صحن، لمحة من ثريا، ثم تترك للخيال أن يتمم ما حجبته الجدران. وفي جوار القرويين، لا تستطيع تجاهل مكتبتها؛ فالمدينة التي صنعت للعلم جامعا ومدارس صنعت للكتاب بيتا يحفظه. تذكّرني المخطوطات القديمة بأن المعرفة تعيش بعبقرية مؤلفيها وبأجيال من النساخ والخزنة والفقهاء والمجلدين وأمناء المكتبات الذين منعوا الورق من أن يتحول إلى غبار.
غير بعيد عنها، تقع مدرسة العطارين التي شيدها السلطان المريني أبو سعيد عثمان في القرن الرابع عشر، وسُمّيت باسم سوق العطارين المجاور. هنا، ظلت العطور والأعشاب والتوابل والأدوية التقليدية تختلط في هواء واحد. تبدو المدرسة صغيرة إذا قيست بالقصور؛ لكنها شاسعة من الداخل بما راكمته من دقة. كل شبر فيها مقاومة للفراغ: الزليج يصعد من الأرض، والكتابة تنساب على الجدران، والخشب يستقيم فوق الرؤوس، والمقرنصات تجعل المادة الصلبة أقرب إلى الدانتيل. إنها عمارة تهزم الزمن بإتقانها.
تستمر في المسار نحو الصفارين، حيث يحسن ألا تمر بالمكان من دون أن تتذكر أن فاس عرفت مدرسة الصفارين، إحدى المدارس المرينية المبكرة التي حفظت للحي صلته بالعلم كما حفظ له السوق صلته بالحرفة. قبل أن ترى ساحة الصفارين، تسمعها. يعلن المكان عن نفسه بضربات المطارق على النحاس. يجلس الصناع أمام أوان وصوان وقدور، يطرقون المعدن بالإيقاع نفسه الذي سمعته أجيال سبقتنا. طرقات مثل موسيقى قديمة، كل مطرقة تضيف إلى النحاس ذاكرة، وكل إناء يخرج من السوق يحمل شيئا من صوت الساحة.
تستمر نحو دباغة الشوارة، فتكتشف فاس في وجه آخر: وجه خشن لا يخفي مشقة العمل. من إحدى الشرفات، ترى الأحواض الحجرية متجاورة مثل لوحة ألوان هائلة: أبيض وأحمر وبني وأصفر. ينزل العمال بينها ليعالجوا الجلود بطرائق توارثتها الأجيال. الرائحة قوية، والحركة شاقة، والمشهد جميل وقاس في آن واحد. هنا تدرك أن الجمال الذي نراه في حقيبة أو حذاء يبدأ من عرق جسد عامل يقف ساعات في مكان العمل. الشوارة تكشف الثمن الإنساني المختبئ خلف الأشياء الجميلة.
تستمر نحو وادي فاس، أحد مفاتيح فهم نشأة المدينة. على جانبيه، تشكلت العدوتان اللتان حملتا في الذاكرة اسم القيروانيين والأندلسيين، قبل أن توحدهما المدينة سياسيا وعمرانيا. الوادي، اليوم، مختفي في مواضع كثيرة تحت العمران، لكن أثره لا يزال حاضرا في منطق المكان.
تتمشى نحو الساحة، وتستعيد المدينة على نحو مختلف، وتصبح أكثر اتصالا بالإيقاع اليومي. تفكر في الساحات باعتبارها علامات ترقيم في كتابة عمرانية كثيفة: موضع يهدأ فيه ازدحام الجملة قبل أن تستأنف معناها.
تبحث بعيني عن أثر الماء في ترتيب المدينة. قد يغيب بعض مجراه عن النظر، لكن حضوره التاريخي باقٍ في الاستقرار والصنائع والطهارة والسقايات. لو رسمنا خريطة فاس انطلاقا من حاجتها إلى الماء، لظهرت تحت الأزقة مدينة أخرى.
تستمر نحو جامع الأندلسيين، حيث تشعر بأن المدينة تحمل داخلها ذاكرة هجرات كبرى. فقد استقبلت فاس في مراحل تأسيسها جماعات جاءت من القيروان وأخرى وفدت من الأندلس، فنشأ على ضفتي الوادي مجالان حملا أثر القادمين. في الحي، يقوم جامع الأندلسيين، الذي يعود تأسيسه إلى القرن التاسع. تنسب رواية تأسيسه إلى مريم الفهرية. تعاقبت عليه إضافات وترميمات عبر القرون، فأصبح البناء نفسه حصيلة أعمار متعددة. أنظر إليه وأفكر أن المدن الكبرى لم يصنعها من ولدوا فيها فقط. صنعها القادمون أيضا. حمل كل منهم لغة وحرفة ووصفة وحنينا وذكرى منزل بعيد، ثم ذابت الأشياء جميعا في هوية جديدة.
تستمر نحو باب الفتوح، كلما اقتربت من الأطراف، يقل شعوري بأنني في قلب المتاهة، ويبدأ السور في الإعلان عن نفسه. للباب معنى مختلف حين تصل إليه من الداخل: إنه مدخل ونهاية مؤقتة لعالم، وبداية لعالم آخر. من هذه الجهات، يمكن أن تتفرع الرحلة إلى أحياء لا تُختزل في معالم شهيرة، لأن فاس لا توجد فقط في البوعنانية والقرويين والعطارين، بل أيضا في فرن حي، وسقاية صغيرة، وبائع يعرف وجوه زبنائه.
تستمر نحو جنان السبيل، حيث تسمع قصيدة الملحون “دمليج زهيرو”: “جنان السبيل يا من بغى الزين.. يمرح الهذاب وترتاح جوارحو شوية”. هناك تمنحني الأشجار ظلا أوسع، ويصير للمشي إيقاع أقل استعجالا. أجلس قليلا وأترك الصور التي جمعتها تهدأ. يحتاج التأمل إلى وقفة كما تحتاج العين إلى مسافة بعد طول الاقتراب.
تستمر نحو باب المكينة والمشور، ثم إلى فاس الجديد. هنا يتغير المشهد. تتراجع المتاهة قليلا، وتتقدم الأسوار الكبرى ومظاهر السلطة ومرافقها. أمام أبواب القصر، تتأمل كيف تعلن العمارة الهيبة من خلال الحجم والمادة والمسافة. حيث تصبح فتحة في سور مسرحا للسلطة، مسافة بين المار وما لا يسمح له بالعبور إليه.
تستمر نحو الملاح، حيث بين أزقته وشرفاته وكنيس ابن دنان والمقبرة اليهودية، تستعيد فصلا من تاريخ فاس صنعه المغاربة اليهود عبر العبادة والتجارة والحرف والحياة المشتركة. تتسع الذاكرة للجوار والتبادل كما تتسع للألم والتحولات والفراق. تفكر في البيوت التي غادرها أهلها، وفي أسماء ظلت على الألسنة بعد أن ابتعد أصحابها. وفاء المدينة لتاريخها يظهر في قدرتها على حفظ آثار الذين أسهموا في صنعها وعلى رواية قصتهم ضمن قصتها، لا في هامش منفصل عنها.
في النهاية، تكشف أن ما عبرته ليس مجرد معالم، بل طريقة كاملة في بناء العالم. في المدن الحديثة، نفصل الأشياء: منطقة للسكن، وأخرى للتجارة، وثالثة للإدارة، وطريق للعبور. أما المدينة القديمة، فقد نسجت الحياة بعضها في بعض. المسجد قريب من السوق، والمدرسة مجاورة للعطار، والضريح في قلب الحياة اليومية، والحرفة امتدادا للبيت، والسقاية زينة ومنفعة في اللحظة نفسها.
تفكر في الذين لا تظهر أسماؤهم في كتب العمارة. البناء الذي يقول المؤرخ إن سلطانا شيّده، من الذي رفع حجارته؟ من حفر الزليج؟ من سوّى الخشب؟ من كتب الخط؟ من حمل الماء والجير؟ من أصلح ما كُسر بعد خمسين سنة، ثم جاء آخر بعد مائة سنة ورمم ما أصلحه الأول؟ للمدن مؤلفون مشاهير؛ لكن لها أيضا آلاف المؤلفين المجهولين. وربما كان هؤلاء هم الذين جعلوا فاس ما هي عليه.
في نهاية الجولة، لا تبحث عن أثر الماضي فقط، بل عن حق هذا المكان في المستقبل: أن تبقى المدرسة مفتوحة، والحرفة مجدية، والدار آمنة، والدرب مأهولا، وأن يظل لأهل فاس مكان في الصورة التي نعجب بها. مظهر المدينة يُصان حين نعيد الزليج إلى جدار قديم؛ لكن روحها تُصان حين يستطيع الحرفي أن يعيش من حرفته، وحين تستطيع الأسرة أن تبقى في بيتها، وحين لا يتحول الحي بأكمله إلى ديكور للزائر. التراث الذي يطرد الحياة من داخله قد يبقى جميلا؛ لكنه يصبح شيئا آخر.
تخرج من المدينة القديمة، وتظل في ذهنك تفصيل صغير: عتبة ملساء مرت عليها أقدام كثيرة. لعلني أحببت فاس، في تلك اللحظة، من جهة هذه العتبة تحديدا، من أثر العبور المتواضع الذي يجمع أجيالا لا يعرف بعضها بعضا. شخص عبرها قبل قرنين وهو يفكر في دين لم يسدده، وآخر عبرها إلى درس، وطفل قفز فوقها، وعروس مرت بها، ورجل عاد من سفر، وأنا أمر اليوم من فوق الأثر نفسه دون أن أعرف أسماءهم.
مشيت في دروب فاس، وحاولت أن أقرأها، وكانت، على مهل، توسع في داخلي معنى المدينة. وكلما ظننتُ أنني عرفتُها، انعطف الزقاق وبدأت فاس من جديد. عند الخروج، تكتشف أنك لم تكن تزور أبنية منفصلة: البوعنانية، النجارين، مولاي إدريس، القرويين، العطارين، الصفارين، الشوارة، الأندلسيين… كنتَ تزور طريقة كاملة في بناء العالم. طريقة تجعل المسجد قريبا من السوق، والمدرسة مجاورة للعطار، والضريح في قلب الحياة اليومية، والحرفة امتدادا للبيت، والماء زينة ومنفعة في الوقت نفسه، وتجعل المهاجر يحمل ذاكرته إلى المدينة فتأخذ منها المدينة شيئا، وتعطيه شيئا، حتى يصبح من الصعب بعد قرون أن نعرف أين ينتهي القادم وأين يبدأ المكان.
فاس لا ترافق زائرها إلى الباب. إنها تمنحه، حين يغادر، زقاقا داخليا يظل يتجول فيه طويلا.
العسري: الحكومة الجديدة بدأت العمل بتسرع يخلّ بالدستور
إعفاء الوزيرة ماديحة: وثائق جديدة تثير شبهات حول إدارة المال العام






















