جنوب المغرب يثبت ثقافته الانتخابية: مشاركة قياسية في الاقتراع المباشر وتحديات التمثيلية الوطنية

alyaoum30 alyaoum3025 سبتمبر 2026آخر تحديث :
جنوب المغرب يثبت ثقافته الانتخابية: مشاركة قياسية في الاقتراع المباشر وتحديات التمثيلية الوطنية

جنوب المغرب يثبت ثقافته الانتخابية: مشاركة قياسية في الاقتراع المباشر وتحديات التمثيلية الوطنية

كشفت نتائج الاقتراع العام المباشر الذي جرت يوم 23 سبتمبر الجاري أن الأقاليم الجنوبية استمرت في قيادة المشهد الانتخابي الوطني، حيث سجلت جهة العيون-الساقية الحمراء نسبة مشاركة بلغت 77 في المائة، فيما وصل إقليم العيون إلى 79.52 في المائة. بالمقابل، وصلت نسبة المشاركة بجهة الداخلة-وادي الذهب إلى 61 في المائة، وبجهة كلميم-واد نون إلى 53.48 في المائة، بينما استقر المعدل الوطني عند 38.08 في المائة. هذه الأرقام تبرز بوضوح الفارق الكبير بين الجنوب وباقي مناطق المملكة، مما يجعل المشاركة السياسية من أبرز سمات الاستحقاق الانتخابي في المنطقة. لا تبدو هذه النتائج عازلة عن المسار الذي عرفته الأقاليم الجنوبية خلال الانتخابات السابقة. فبجهة العيون-الساقية الحمراء، ارتفعت نسبة المشاركة من 36 في المائة سنة 2011 إلى 56 في المائة سنة 2016، ثم إلى 66.94 في المائة سنة 2021، قبل أن تصل إلى 77 في المائة في الانتخابات الأخيرة. هذا الاتجاه الصاعد يعكس استمرار حضور صناديق الاقتراع كآلية أساسية لاختيار النخب وتسيير الشأن العام عبر المؤسسات المنتخبة. وتكتسب هذه المشاركة المرتفعة دلالة مؤسساتية واضحة، حيث تعني انخراط أعداد كبيرة من المواطنين في اختيار ممثليهم داخل البرلمان والجماعات الترابية والجهات، مما يعزز قاعدة التمثيلية المنتخبة من أصوات ومشاركة. كما تبرز الأرقام أن الأقاليم الجنوبية حافظت، استحقاقًا بعد آخر، على موقعها القيادي بين الجهات الأعلى إقبالًا على الانتخابات، رغم تراجع المعدل الوطني مقارنة بمحطات سابقة. وتحمل هذه النسب دلالة سياسية تتجاوز حدود الأرقام، حيث تعكس حضورًا قويًا للسكان في العملية السياسية والمؤسساتية. فكلما ارتفع الإقبال على صناديق الاقتراع، برز صورة مؤسسات منتخبة تستمد شرعيتها من الاختيار الديمقراطي، وهو ما يجسد انخراط السكان في تدبير شؤونهم المحلية والمساهمة في إنتاج النخب التمثيلية عبر الآليات الدستورية والمؤسساتية للمملكة. بينما انتهت الانتخابات بإفراز خريطة جديدة للتمثيلية البرلمانية، تظل نسب المشاركة إحدى أهم نتائج الاستحقاق في الأقاليم الجنوبية. ليس فقط لأنها تجاوزت المعدل الوطني بفارق كبير، بل لأنها كرست مسارًا تصاعديًا في الإقبال على الانتخابات، ورسخت حضور المنطقة في صدارة الجهات من حيث المشاركة السياسية والانخراط المؤسسي.

ثقافة المشاركة

أكد عبد الفتاح البلعمشي، رئيس المركز المغربي للدبلوماسية الموازية وحوار الحضارات، أن المشاركة الانتخابية المرتفعة في الأقاليم الجنوبية تعكس ترسخ ثقافة سياسية قائمة على الانخراط في العملية الانتخابية كآلية أساسية للتعبير عن المواقف واختيار الممثلين داخل المؤسسات المنتخبة. وأضاف أن هذا الحضور الانتخابي المتواصل ينبع من تراكم تجربة سياسية وانتخابية امتدت لسنوات، مما جعل المشاركة في الاستحقاقات العامة جزءًا من الثقافة السياسية السائدة في المنطقة، ورسخ لدى السكان اعتيادًا على اللجوء إلى صناديق الاقتراع كقناة أساسية للتعبير عن الاختيارات والمواقف. وعلى صعيد آخر، أشار البلعمشي إلى أن مرور الاستحقاق في أجواء هادئة وانضباطية، دون تسجيل أي خلافات أو أحداث خارج عن السيطرة، يحمل أهمية خاصة. فقد يعكس هذا الهدوء قدرة الفاعلين والقوى الاجتماعية والسياسية على تدبير التنافس الانتخابي داخل المؤسسات، مما يحافظ على طابع العملية الديمقراطية. وفي السياق نفسه، أوضح أستاذ العلاقات الدولية بجامعة القاضي عياض أن العامل القبلي يلعب دورًا في فهم السلوك الانتخابي في الأقاليم الجنوبية، لكن اختزاله في آلية تعبئة فقط لا يكفي. فالتعددية القبلية تشكل عاملًا مؤثرًا في إنتاج التمثيلية السياسية، حيث تتوزع مختلف المكونات القبلية بدرجات متفاوتة في الخريطة الانتخابية، مما يعكس التنوع الاجتماعي والقبلي في المنطقة بدلاً من احتكار التمثيل من طرف مجموعة واحدة. وأكد البلعمشي أن تفسير المشاركة المرتفعة بالانتماء القبلي وحده غير كافٍ، حيث يعكس استمرار الإقبال على الانتخابات إيمانًا متزايدًا بالعملية السياسية نفسها وبجدوى الانخراط في المؤسسات المنتخبة. فالناخب في الجنوب يتعامل مع الانتخابات كقناة للمشاركة في تدبير الشأن العام وإنتاج التمثيلية السياسية، وهو ما يفسر استمرار الحضور القوي للسكان في مختلف الاستحقاقات. وأشار إلى أن “ارتفاع المشاركة السياسية، إلى جانب انتظام العملية الانتخابية ومرورها في أجواء هادئة، يراكم معطيات مؤسساتية حول طبيعة الانخراط السياسي في الأقاليم الجنوبية”. حيث أن اجتماع المشاركة الواسعة مع التعددية الاجتماعية والقبلية والتنافس الانتخابي السلمي يمنح العملية السياسية أبعادًا تتجاوز يوم الاقتراع نفسه، مما يكرس الانتخابات كقناة رئيسية للتعبير السياسي والتمثيل المؤسسي، ويعكس انخراط ساكنة المنطقة في تدبير شؤونها عبر الآليات الانتخابية والمؤسساتية.

رسائل سياسية

سجل الشيخ بوسعيد، باحث في القانون العام المتخصص بشؤون الصحراء المغربية، أن الاستحقاقات الانتخابية بالأقاليم الجنوبية تكرس مرة أخرى خصوصية واضحة في مستوى المشاركة السياسية. حيث حافظت جهتي العيون-الساقية الحمراء والداخلة-وادي الذهب على معدلات إقبال مرتفعة، بلغت على التوالي 77 في المائة و61 في المائة، مقابل 38.08 في المائة على المستوى الوطني. وأكد بوسعيد أن قراءة هذه الأرقام لا تقف عند بعدها الإحصائي فقط، بل يجب النظر إليها كمؤشر رئيسي على حضور قوي للسكان في العملية السياسية والمؤسساتية. حيث يعكس الفارق الكبير في نسب المشاركة وعيًا بأهمية الانتخابات كآلية لاختيار الممثلين والمساهمة في تدبير الشأن العام، إلى جانب قوة التعبئة التي تسبق الاستحقاقات في هذه المناطق، سواء من جانب الفاعلين السياسيين أو المنتخبين أو الفاعلين الاجتماعيين المحليين. ولفت إلى أن بلوغ نسبة المشاركة في إقليم العيون 79.52 في المائة يحمل دلالة خاصة، بالنظر إلى حجم الإقبال المسجل مقارنة بالمعدل الوطني. كما أشار إلى أن المشاركة المرتفعة تعكس حضور قضية الصحراء في الوعي العام للسكان، حيث يعبر الانخراط المكثف في الانتخابات عن اختيار المشاركة في المؤسسات وآليات التمثيل بدلاً من العزوف عنها. كما أن انتظام هذا الحضور عبر محطات انتخابية متعاقبة يمنح الأرقام المسجلة في 2026 دلالة تتجاوز يوم الاقتراع، باعتبارها مؤشرًا على استمرار الانخراط في العملية السياسية داخل المؤسسات المنتخبة. وأكد بوسعيد أن المشاركة المرتفعة تحمل أيضًا دلالة مؤسساتية، حيث كلما اتسعت قاعدة المشاركة، اتسعت معها قاعدة التمثيل السياسي للمنتخبين. وبالتالي، سيكون ممثلي الأقاليم الجنوبية داخل البرلمان أمام مسؤولية ترجمة هذا الحضور الانتخابي إلى ترافع أقوى حول القضايا المرتبطة بالتنمية، مثل التشغيل والتعليم والصحة والبنيات التحتية والاستثمار. وأضاف أن المشاركة لا تنفصل عن انتظارات المواطنين الاجتماعية والاقتصادية، حيث يمثل التصويت في النهاية اختيارًا لممثلي السكان من أجل الدفاع عن مصالحهم داخل المؤسسات. وختم بوسعيد حديثه بالإشارة إلى أن نسب المشاركة المرتفعة المسجلة في الأقاليم الجنوبية تمثل رأسمالًا سياسيًا ومؤسساتيًا يجب أن يواكبه أثر ملموس على مستوى التنمية والاستثمار وتحسين الخدمات. مشددًا على أن دلالة صناديق الاقتراع تكتمل بقدرة المؤسسات المنتخبة على تحويل هذا الانخراط السياسي إلى سياسات ومشاريع تستجيب لانتظارات السكان، وتعزيز حضور الأقاليم الجنوبية في المسار المؤسسي والتنموي للمملكة.

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

نستخدم ملفات الكوكيز لنسهل عليك استخدام موقعنا الإلكتروني ونكيف المحتوى والإعلانات وفقا لمتطلباتك واحتياجاتك الخاصة، لتوفير ميزات وسائل التواصل الاجتماعية ولتحليل حركة الزيارات لدينا...لمعرفة المزيد

موافق