بقلم : نادية الزوين
مع اقتراب كل موسم دراسي، تعود إلى الذاكرة صور جميلة من زمن مضى، حين كان الدخول المدرسي مناسبة تنتظرها الأسر والأطفال بشغف خاص. لم تكن المحافظ آنذاك ممتلئة بالكتب والدفاتر والأدوات الكثيرة، لم تكن هناك هواتف ذكية أو منصات إلكترونية أو وسائل التواصل الاجتماعي كان هناك دفتر بسيط، قلم ومحفظة، وقلب صغير يحمل الكثير من الأحلام.
في المغرب، ارتبط التعليم قديما، خصوصا في القرى والأحياء الشعبية، بالكتاتيب القرآنية والمسيد، قبل أن يتوسع التعليم العصري تدريجيا. وكانت الكتاتيب فضاء أساسيا لتعليم الأطفال، وحفظ القرآن والقراءة والكتابة، وكان الفقيه أو المدرر يحتل مكانة كبيرة داخل المجتمع.
كان الطفل يستعد للدخول المدرسي بطريقة مختلفة. قد تكون فرحته الكبرى في قلم جديد، ودفتر أبيض، ومحفظة بسيطة. وأحيانا كان الدفتر يُستعمل بحرص شديد، لأن الأسرة لم تكن قادرة دائما على توفير كل المستلزمات. وكانت الأشياء القليلة تحمل قيمة كبيرة، لذلك كان الطفل يحافظ على قلمه ودفاتره وكأنها كنز.
في بعض البيئات التقليدية، كان اللوح والقلم جزءا من الحياة التعليمية، حيث يكتب التلميذ ما يُملى عليه، ثم يمسحه ليعيد استعمال اللوح من جديد. وكان التعليم يعتمد بدرجة كبيرة على الحفظ والتكرار والانضباط.
أما صباح الدخول المدرسي، فكان له طقوسه الخاصة. يستيقظ الطفل باكرا، يرتدي ملابسه، ويتناول فطوره على عجل، ثم يحمل محفظته وينطلق نحو المدرسة. في الطريق يلتقي بأصدقائه الذين لم يرهم طوال العطلة، فتتحول المسافة إلى مساحة للضحك والحكايات والحديث عن مغامرات الصيف.
كانت المدرسة نفسها أكثر بساطة. أقسام متواضعة، سبورة، طباشير، ومقاعد خشبية، لكن تلك الأماكن البسيطة كانت تصنع أجيالا كاملة. وكان للمعلم حضور قوي يدخل القسم فيسود الهدوء، ويجلس التلاميذ في أماكنهم، لأن احترام المدرس كان جزءا أساسياً من ثقافة المدرسة والأسرة معا.
لم يكن الدخول المدرسي مجرد انتقال من العطلة إلى الدراسة، بل كان يحمل في داخله رهبة البداية وفرحة اللقاء. بعض الأطفال كانوا ينتظرون اليوم الأول بفارغ الصبر، بينما كان آخرون يشعرون بالخوف من المعلم، أو من القسم الجديد، أو من الانتقال إلى مستوى دراسي مختلف.
وفي القرى والمناطق البعيدة، كانت رحلة المدرسة أحيانا طويلة وشاقة. ومع ذلك، كان الأطفال يمشون جماعات، يتبادلون الحديث والضحكات، ويقطعون المسافات بأقدام صغيرة، دون أن يشعروا بأن الطريق نفسه جزء من مغامرة الطفولة.
كانت الأسرة أيضا حاضرة بقوة في المشهد. الأم تتابع تجهيز الأبناء، والأب يحرص على أن يبدأ الطفل عامه الدراسي في أحسن الظروف الممكنة. ولم تكن الأسر تملك دائما الإمكانيات التي نراها اليوم، لكن قيمة التعليم كانت كبيرة، والأمل في المستقبل كان أكبر.
ثم تغير الزمن. دخلت المدارس الحديثة، وتعددت الكتب والمناهج والوسائل التعليمية، وأصبحت التكنولوجيا جزءا من العملية التعليمية. لكن صور الماضي ظلت عالقة في ذاكرة من عاشها: رائحة الدفاتر الجديدة، صوت الجرس، طباشير السبورة، محفظة قديمة، وقلم أزرق ينتظر أول كلمة في السنة الدراسية.
لعل أجمل ما في الدخول المدرسي قديما أنه كان يعلّم الطفل، إلى جانب القراءة والكتابة، معاني أخرى لا تُكتب في الكتب: الصبر، احترام المعلم، المحافظة على الأشياء، قيمة الصداقة، والفرح بما هو بسيط.
اليوم، ونحن نرى الأطفال يدخلون مدارسهم بمحافظ ملونة وأجهزة إلكترونية وكتب كثيرة، يمكننا أن نبتسم ونحن نتذكر زمنا كان فيه قلم واحد ودفتر واحد قادرين على صناعة فرحة كبيرة.
فالدخول المدرسي قديما لم يكن أكثر بساطة فقط، بل كان يحمل شيئا نفتقده أحيانا اليوم ذلك الشعور بأن الأشياء الصغيرة يمكن أن تكون كبيرة جدا في قلوبنا.
وربما لهذا السبب، كلما اقترب سبتمبر، عاد بنا الحنين إلى ذلك الطفل الذي كنّاه يوما، وإلى صباح بعيد، وإلى مدرسة قديمة، وإلى قلم أزرق ودفتر أبيض… وبداية حكاية لم نكن نعرف أنها ستصبح أجمل ذكريات العمر.






















