من يؤدي فاتورة الكفاءة؟ 

alyaoum30 alyaoum3011 أغسطس 2026آخر تحديث :
alyaoum30 alyaoum30

حين يطالَب الموظف والأجير بتمويل إصلاح لا يجني وحده ثماره

إعداد: محمد البداوي، أستاذ باحث بكلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية بوجدة

يتجدد عند اقتراب كل موسم جامعي – هذه السنة بالذات أكثر من أي سنة مضت- نقاش يتردد صداه في أروقة الإدارات والمقاولات ووسائل التواصل الاجتماعي على حد سواء، يبدو في ظاهره مسألة تقنية بحتة وفي تفاصيله شأنا إداريا محضا، لكنه في جوهره سؤال عن العدالة لا يقل إلحاحا عن أي نقاش عمومي آخر: هل يُعقل أن يظل الموظف والأجير الساعي إلى استكمال تكوينه بإجازة أو ماستر أو دكتوراه، مطالَبا بأداء رسوم دراسته من راتبه المحدود، بينما المستفيد الأول من هذا التكوين هي الإدارة والمقاولة التي يخدمها؟ وهل يكفي أن يمنح له توقيتا ميسرا ليحضر دروسه في الجامعة، ثم تتنصل المؤسسة المشغلة من مسؤوليتها في تمويل الكفاءة التي ستوظفها غدا في خدمة المرتفقين؟

هذا التساؤل ليس ترفا نظريا، بل قضية رأي عام متجددة، تتقاطع فيها حاجة الإدارة والمقاولة إلى موارد بشرية مؤهلة تواكب الدولة في تطلعاتها ورهاناتها الاستراتيجية، مع واقع مادي صعب يعيشه آلاف الموظفين والأجراء الذين يجدون أنفسهم أمام معادلة قاسية: إما التخلي عن طموحهم العلمي، أو تحمل كلفة مادية إضافية فوق أعباء الحياة اليومية الصعبة.

حول الأساس الدستوري: تعليم “ميسَّر الولوج” لا مشروط بالقدرة المادية

يحسم دستور 2011 هذا النقاش من حيث المبدأ، إذ ينص الفصل 31 صراحة على أن “الدولة والمؤسسات العمومية والجماعات الترابية تعمل على تعبئة كل الوسائل المتاحة لتيسير أسباب استفادة المواطنات والمواطنين، على قدم المساواة، من الحق في الحصول على تعليم عصري ميسر الولوج وذي جودة”، إلى جانب الحق في التكوين المهني. تجدر الإشارة هنا أن لفظ “ميسَّر الولوج” ليس زخرفة إنشائية او بلاغة لغوية، بل يشير إلى التزام دستوري يقضي بإزالة العوائق أمام المواطن، ومن أبرزها العائق المالي.

فكل من يلاحظ بعمق وتبصر، سيجد أن الموظف والأجير، حين يواصل تكوينه الجامعي في مرحلة النضج المهني، لا يفعل ذلك طلبا لمنفعة خاصة معزولة عن الشأن العام، بل استجابة لمطلب مؤسساتي متكرر: إدارة رقمية، ذكاء اصطناعي، مقاولة تنافسية، حكامة ناجعة، تنمية مندمجة، كلها شعارات لن تتحقق إلا بموظف مؤهل يواكب المستجدات العلمية والتقنية والقانونية والتكنولوجية. فحين يتحمل هذا الموظف بمفرده كلفة تأهيله، بينما تستفيد الإدارة من عائد هذا التأهيل كاملا، فإننا أمام اختلال واضح بين من يدفع ومن يجني ثمار الكفاءة، وهو اختلال يستحق مساءلة جدية لا مجرد تعاطف عابر.

القانون الجديد للتعليم العالي: فرصة لم تُستثمر بعد

جاء القانون رقم 59.24 المتعلق بالتعليم العالي والبحث العلمي، ليؤكد في فلسفته العامة أن الجامعة مطالبة بأن تكون قاطرة لتكوين الرأسمال البشري ومكونا فاعلا في النمو الاقتصادي وشريكا في استشراف السياسات العمومية وتنفيذها. هذا التوجه، إذا أُخذ على محمل الجد، يفتح الباب أمام سؤال لم يحظ بعد بالنقاش الكافي: كيف نترجم هذه الشراكة المعلنة بين الجامعة والدولة إلى آلية عملية تُعفي الموظف من عبء تمويل تكوينه، وتجعل من هذا التكوين استثمارا مؤسساتيا مشتركا بدل كونه عبئا فرديا؟

فالقانون يمنح الجامعة، من حيث المبدأ، موقعا مركزيا لا في التكوين الأساسي وحده، بل في استكمال التكوين بالتعليم العالي والتكوين المستمر معا، بما يجعل منها فضاء دائما للتأهيل لا محطة عابرة يقصدها الطالب مرة واحدة في حياته قبل ولوج سوق الشغل. فالجامعة، بهذا المعنى، ليست مجرد مؤسسة تُسلم الشهادات، بل شريك طبيعي للدولة في أوراشها الإصلاحية الكبرى، من رقمنة الإدارة إلى الجهوية المتقدمة إلى الحكامة الترابية، بما تختزنه من أطر علمية وباحثين قادرين على مواكبة هذه الأوراش وتأطيرها معرفيا. 

وعليه، فالجامعات بما تملكه من هذه الكفاءات، مؤهلة لأن تكون قاطرة حقيقية للتنمية، لا بخطابها النظري، بل بأطرها المؤهلة القادرة على تكوين الأطر الأخرى؛ غير أن هذا الموقع المركزي يبقى في غياب النصوص التنظيمية والتطبيقية للقانون، إطارا عاما تحكمه النية أكثر مما تحكمه الآلية، وهو ما يستدعي إرادة سياسية وتدبيرية تُترجمه إلى اتفاقيات وشراكات ملموسة بين الجامعات من جهة، والإدارات العمومية والمقاولات من جهة أخرى.

حين تُصبح الشهادة استثمارا مؤسساتيا، لا مجرد إنجاز شخصي

مسألة أخرى يجب أن تحسم في هذا النقاش، يتعلق الأمر بمآل هذا التكوين: فإذا لم تُتوَّج الإجازة أو الماستر أو الدكتوراه بأثر فعلي على الوضعية الإدارية للموظف عبر ربطها بآليات الترقي أو تغيير الإطار، فإن التكوين يفقد جزءا كبيرا من معناه المؤسساتي، ويتحول إلى مجهود شخصي محض لا يخدم بالضرورة تطور الإدارة والمقاولة. فالمنطق السليم يقتضي عكس المعادلة: ما دامت الدولة والمقاولة هما المستفيدتان النهائيتان من كفاءة موظفيهما المتجددة، فالأولى بهما أن تتحملا كلفة هذا التثمين، مقابل التزام الموظف بوضع كفاءته الجديدة في خدمتهما.

مقترحات واقعية :

بين الوضع الحالي، الذي يترك الموظف وحيدا أمام فاتورة تكوينه، والطموح الأقصى بمجانية شاملة قد يصعب تنزيلها فوريا في ظل الإكراهات المالية للدولة، توجد مساحة واسعة لحلول وسيطة قابلة للتنزيل:

أولها، إبرام اتفاقيات-برامج بين الجامعات والقطاعات الوزارية والمقاولات، تتحمل بموجبها جهة التشغيل رسوم تسجيل موظفيها وأجرائها في مسالك محددة سلفا حسب حاجياتها الفعلية سواء بالإجازة أو الماستر أو مواضيع مقترحة كمشاريع لأطروحة الدكتوراه، مقابل التزام الموظف بخدمة الإدارة لمدة معينة بعد التخرج. 

ثانيها، إعادة توجيه جزء من الاعتمادات الضخمة التي تُصرف سنويا على دورات تكوينية بفنادق فخمة أو محطات تكوين بالخارج، نحو برامج تكوين معتمدة وموثوقة تُصمم وتُؤطر من طرف الجامعة، بكلفة أقل وضمانة أكاديمية أعلى، بدل استنزاف موارد عمومية لفائدة عروض أجنبية أو مؤسسات وطنية خاصة لا تفضي غالبا إلى شهادة معترف بها. 

وثالثها، اشتراط أن يُتوَّج كل برنامج تكوين ممول من القطاع الوزاري أو المقاولة بشهادة جامعية تُدرج تلقائيا ضمن معايير الترقي أو تغيير الإطار، حتى لا يبقى التكوين مجهودا معزولا عن المسار المهني.

في الأخير، فلنتكلم بكل وضوح وجرأة: التوقيت الميسر بمفرده ليس إصلاحا، بل مسكِّن إداري يُخفي المشكل الحقيقي أكثر مما يحله. فأي جدوى لساعات دراسية ميسرة إذا كان ثمنها يقتطع من قوت الموظف وكرامته المادية؟ إنها إدارة تمنح بيد ما تأخذه أضعافه باليد الأخرى.

الحقيقة التي يجب أن تقال دون مواربة هي كالتالي: من يجني ثمار الكفاءة، عليه أن يدفع ثمن إنتاجها. 

فحين تراكم الدولة والمقاولة عائد تأهيل موظفيها وأجرائها، بينما يتحمل هذا الأخير وحده فاتورة تأهيله، فنحن لسنا أمام سياسة تكوين، بل أمام ريع معكوس: الطرف الأضعف يدفع، والطرف الأقوى يجني. 

إن أي حديث عن إصلاح الإدارة والمقاولة في ظل هذا الاختلال، لن يكون سوى شعار جميل بلا رصيد، وطموح مؤسساتي يبني قصوره على أكتاف موظفين مثقلين أصلا بهموم العيش. فإما أن تتحمل المؤسسات المستفيدة نصيبها العادل من كلفة الكفاءة التي تطلبها، وإما فلتكف عن المطالبة بإصلاح لا تريد دفع ثمنه.

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

نستخدم ملفات الكوكيز لنسهل عليك استخدام موقعنا الإلكتروني ونكيف المحتوى والإعلانات وفقا لمتطلباتك واحتياجاتك الخاصة، لتوفير ميزات وسائل التواصل الاجتماعية ولتحليل حركة الزيارات لدينا...لمعرفة المزيد

موافق