تصويت العقاب والاختراقات الانتخابية: نقاش اليسار المغربي يفضح حدود التأثير القروي
قدّم خبراء وأكاديميون وسياسيون وناشطون حقوقيون، خلال جلسة نقاش ديمقراطي نظمته تنظيمات اليسار، قراءات متقاطعة حول انتخابات 23 سبتمبر 2026 التشريعية، ضمن حلقة أولى من سلسلة من المناقشات التي أطلقها الحزب الاشتراكي الموحد.
رفض مصطفى اليحياوي، أستاذ الجغرافيا السياسية بجامعة الحسن الثاني بالدار البيضاء، فكرة أن تصويت سكان المناطق القروية قد حسم نتائج الانتخابات الأخيرة، خاصة تلك التي تصدرت قائمة النتائج. في مداخلته التي استهدفت النقاش الذي قادته يد محمد العوني، سياسي وحقوقي، شدّد على أن “التصويت العقابي كان موجودًا بالفعل، لكن يجب التساؤل: هل عوقب الحزب الأول حقًا؟ وما حجم هذا التصويت؟ وهل كان صادرًا عن الطبقة المتوسطة في المدن الكبرى والمتوسطة؟”
أشار اليحياوي إلى أن “في المناطق التي يقل عدد سكانها عن 50 ألف نسمة، أي القرى والمدن الصغرى، فقد حزب الأحرار أكثر من 680 ألف صوت، بينما خسر الأصالة والمعاصرة أكثر من 200 ألف صوت. من جهة أخرى، رفع حزب العدالة والتنمية أصواته في هذه المناطق بأكثر من 200 ألف صوت”. من هنا استنتج أن “التصويت العقابي كان موجهًا بشكل خاص إلى هذه المناطق”.
رفض الأكاديمي أي تقديرات إسقاطية حاسمة حول تأثير المال في المناطق القروية، مؤكدًا: “لا أقول إن المال لم يلعب دورًا، لكن هناك عوامل أخرى مثل القبيلة وتغيرات اجتماعية أخرى في المجتمع المغربي”. وأضاف أن بحثًا أجراه في 2023 كشفت نتائجه أن “بروفايل المنتخب المحلي لا يتطابق مع الصورة التقليدية للأعيان، حيث أن معظم رؤساء الجماعات هم شباب خريجون من جامعات مثل القاضي عياض أو ابن زهر بأكادير”. وألقى سؤالًا هامًا: “هل تم مواكبة هؤلاء الشباب في مناقشات سياسية جامعية؟”
من جانبها، اعتبرت لطيفة البوحسيني، ناشطة حقوقية، أن ما يجمع حزب العدالة والتنمية وتحالف اليسار أكثر مما يفصلهما، مشيرة إلى أن “القاسم المشترك بين هذه الأحزاب هو استمرار القتال من أجل استقلالية القرار الداخلي”. ووضّحت أن هناك نوعين من القضايا: الأول هو القضايا العمودية، التي تشمل الهوية والمرجعية والفكرية، والتي قد تؤدي إلى استقطاب حاد، والثاني هو القضايا الأفقية، مثل التعليم والصحة وفرص العمل، والتي تهم مصالح الشعب مباشرة.
أكدت البوحسيني أن “هذه القضايا الأفقية موجودة في برامج كل من حزب العدالة والتنمية وتحالف اليسار، مما يعني أن هناك نقاط التقاء حول أولويات الشعب”. ودعت إلى ضرورة التنسيق بين الطرفين، مشيرة إلى أن “التركيز على هذه القضايا يمكن أن يحدث تأثيرًا نسبيًا في ميزان القوى السياسي”.
شددت الحقوقية على أن “الوضع الحالي هو أزمة تستدعي الالتقاء حول ما يفيد الشعب، مع تقدير زمني لطرح الاختلافات الإيديولوجية والسياسية”. وأضافت أن “العزوف عن التصويت لم يكن مجرد عدم مشاركة، بل كان تصويتًا عقابيًا ضد الحكومة خلال السنوات الخمس الماضية، في ظل تضييق على الحريات وتراجع القدرة الشرائية وشبهات تضارب المصالح، فضلاً عن توسع الاحتجاجات الاجتماعية منذ 2011”.
من جهته، أوضح عبد الله الرزيزة، نائب رئيس الجمعية الوطنية للمكفوفين بالمغرب، أن غالبية أفراد هذه الفئة لم يتمكنوا من التصويت، مشيرًا إلى أن “الدولة فرضت عليهم المقاطعة بسبب غياب تقنيات مثل أوراق التصويت بطريقة برايل وآليات تكنولوجية ميسرة”. كما أن “البنية المعمارية لمراكز التصويت عاقت ذوي الإعاقة الحركية عن ممارسة حقهم الدستوري”.
بدورها، لاحظت سعاد فريقش، النائبة البرلمانية عن تحالف اليسار، خلال الحملة الانتخابية وجود “فوارق واسعة في التنمية بالمغرب، بالإضافة إلى خروقات مرتبطة بالتزوير والحملات الانتخابية المبكرة دون ردع من وزارة الداخلية”. وانتقدت رجاء كساب، برلمانية سابقة، “تدبير الانتخابات من قبل وزارة الداخلية نفسها، مما يثير تساؤلات حول استقلال العملية الانتخابية”. وأضافت أن “إرادة الناخب لم تكن حاضرة، حيث سجلت إشكالية العزوف الكبير بسبب إقصاء بعض المواطنين”.






















