مراكش العتيقة: كيف تحولت في ثلاثين سنة بين انحسار السكان وتوسيع السياحة
كشفت بحث أكاديمي حديث عن تغيرات ديموغرافية وعمرانية عميقة تشهدها مراكش، خاصة داخل حدود المدينة العتيقة، حيث تراجعت أعداد السكان المقيمين بشكل ملحوظ خلال الثلاثين سنة الماضية، في الوقت الذي شهد فيه توسعًا غير مسبوق في النشاط السياحي والعقاري، مع امتداد المجال الحضري نحو مناطق جديدة خارج النواة التاريخية. وفقًا لدراسة نشرتها مجلة *Cities* في أغسطس 2026، استند البحث إلى تحليل تاريخي ومورفولوجي للمدينة، بالإضافة إلى خرائط عمرانية وبيانات سكانية، ومراجعة وثائق التخطيط والتوسع العمراني المرتبطة بمراكش. تظهر البيانات أن عدد سكان المدينة العتيقة انخفض من 192 ألفًا و323 نسمة عام 1994 إلى 166 ألفًا و711 في 2004، ثم إلى 120 ألفًا و222 في 2014، ليصل إلى 81 ألفًا و103 نسمة في 2024. هذا الانخفاض يمثل تقليلًا بنسبة تقارب 58% خلال ثلاثين سنة. في نفس الفترة، ارتفع عدد سكان مراكش ككل من 861 ألفًا و205 نسمة عام 1994 إلى مليون و560 ألفًا و103 نسمة في 2024. كما زادت أعداد سكان مقاطعة المنارة من 148 ألفًا و403 نسمة إلى أكثر من 519 ألفًا خلال نفس المدة، ما يبرز انتقال جزء كبير من النمو السكاني إلى خارج المركز التاريخي.
سكان أقل داخل الأسوار
تربط الدراسة تراجع سكان المدينة العتيقة بسلسلة من العوامل المتداخلة، منها تغيرات في بنية الأسر وتفضيلات السكن، فضلًا عن البحث عن مساكن حديثة مزودة بمواصفات أفضل، وازدياد تدهور بعض المباني التقليدية. بالإضافة إلى ذلك، لعب ارتفاع قيمة العقارات دورًا حاسمًا، خاصة مع توسع تحويل المباني التاريخية إلى أنشطة تستهدف السياح. على الرغم من ذلك، لم تفقد المدينة العتيقة وظيفتها السكنية، لكن وزنها السياحي أصبح أكثر وضوحًا، خصوصًا مع ارتفاع عدد دور الضيافة وتزايد شراء العقارات في الأحياء ذات القيمة التراثية والسياحية العالية. تظهر الأرقام أن عدد الملكيات التي كانت في ملكية أجانب داخل المدينة العتيقة ارتفع من حوالي 150 عقار عام 1999 إلى أكثر من 900 عام 2003، مع تركيز ملحوظ في أحياء ذات جاذبية تاريخية وسياحية. كما بلغ عدد دور الضيافة المسجلة في 2024 أكثر من 1424 وحدة. وتؤكد الخرائط الواردة في الدراسة أن هذا التحول لا يقتصر على داخل الأسوار، بل تزامن انخفاض السكان في المدينة القديمة مع توسع سريع في مناطق مثل المحاميد والمسيرة وسيدي يوسف بن علي، التي استقبلت خلال العقود الماضية جزءًا كبيرًا من النمو السكاني والعمراني للمدينة.
التوسع يسبق بعض وثائق التعمير
ورصدت الدراسة أيضًا اختلافًا زمنيًا بين وتيرة التوسع الحضري وتاريخ تحيين وثائق التعمير، مستندة إلى بيانات الوكالة الحضرية ومراكش وخرائط رسمية ورخص البناء. وفقًا للبيانات، تعود آخر وثيقة تخطيط شاملة للمدينة قبل موجة التحديث الأخيرة إلى عام 1996، بينما جرى تحديث الوثائق تدريجيًا حسب المناطق. فتم المصادقة على وثيقة المحاميد عام 2014، وسيدي يوسف بن علي عام 2021، بينما تم تحديث وثائق المدينة العتيقة والمشور القصبة عام 2023، وكليز الشرقي عام 2024، ومراكش الغربية عام 2026. أما منطقة النخيل، فقد تم تحديث وثيقتها عام 2000. وتظهر بيانات رخص البناء أن عددها بلغ 1530 عام 2003، ثم ارتفع إلى 2319 عام 2004، وسجل 2233 عام 2007 قبل أن ينخفض تدريجيًا إلى 606 عام 2016، ثم يعود إلى 1461 عام 2019، ليصل إلى 397 عام 2020. هذا التذبذب يوضح أن توسع مراكش لم يكن بوتيرة متساوية، وأن أجزاء من شكلها الحضري الحالي تشكلت خلال مراحل مختلفة، مع اختلاف مستويات التغطية بوثائق التخطيط بين المناطق.
التراث والسكن في مجال واحد
تضع الدراسة المدينة العتيقة في قلب علاقة معقدة بين الحفاظ على التراث والسكن والاقتصاد السياحي. حيث يؤدي ارتفاع جاذبية المباني التقليدية لدى المستثمرين والزوار إلى زيادة قيمة العقارات، في الوقت الذي تحتاج فيه الأسر المقيمة إلى مساكن وخدمات تلبي احتياجات الحياة اليومية. وتشير الدراسة إلى أن تحويل المباني السكنية إلى رياضات أو دور ضيافة أو أنشطة سياحية يغير من طبيعة بعض الأزقة والأحياء، حيث يتحول المنزل السكني إلى وحدة استقبال للزوار، وتتبدل الأنشطة التجارية المحيطة لتتلاءم مع طلبات السياحة. كما تتناول الدراسة أثر هذه التحولات على الأسواق التقليدية والفنادق والحرف، حيث تصبح العناصر المرتبطة بالإنتاج والحياة اليومية جزءًا من صورة المدينة المعروضة على الزوار. ويقترح البحث ربط الحفاظ على القيمة التراثية باستقرار السكان وإمكانية الاستمرار في استخدام المباني التاريخية للسكن، مع دمج الجانب الاجتماعي والاقتصادي في إدارة المجال التاريخي، وليس الاقتصار على القيمة المعمارية فقط. وتظهر المعطيات أن التحول الجاري في مراكش يسير في اتجاهين متوازيين: مدينة تاريخية تراجعت فيها أعداد المقيمين بينما ارتفعت قيمتها السياحية والعقارية، ومدينة أوسع تتزايد كثافتها السكانية وتمتد نحو مناطق كانت قبل عقود تقع خارج المجال الحضري المبني.





















