المونديال والبطالة والقدرة الشرائية.. ملفات صعبة أمام الحكومة المقبلة

alyaoum30 alyaoum3016 سبتمبر 2026آخر تحديث :
المونديال والبطالة والقدرة الشرائية.. تحديات تنتظر الحكومة المقبلة

“`html

المونديال والبطالة والقدرة الشرائية.. ملفات صعبة أمام الحكومة المقبلة

لن تحظى الحكومة المنبثقة عن الانتخابات التشريعية المرتقب إجراؤها في 23 شتنبر الجاري بمهلة طويلة لترتيب أولوياتها؛ إذ ستجد منذ الأيام الأولى لتشكيلها أمام ملفات اقتصادية ومالية معقدة، تتداخل فيها تكلفة تسريع التحضيرات الخاصة بتنظيم كأس العالم 2030 مع إشكالات البطالة والقدرة الشرائية وتمويل الدولة الاجتماعية.

وفي هذا الإطار، ينتظر أن يمثل إعداد مشروع قانون المالية لسنة 2027 أول اختبار فعلي لقدرة الفريق الحكومي الجديد على تحقيق التوازن بين الاستثمار والإنفاق الاجتماعي والحفاظ على استدامة المالية العمومية.

وتزداد صعوبة هذه المعادلة بالنظر إلى حجم الموارد التي باتت الدولة تخصصها للاستثمار. فقد بلغت الاستثمارات العمومية المبرمجة في السنة المالية 2026 ما يقارب 380 مليار درهم، مقابل 340 مليار درهم خلال 2025، أي بزيادة وصلت إلى 40 مليار درهم، بما يعادل حوالي 11,8 في المائة، حيث تستحوذ المؤسسات والمقاولات العمومية على 179,7 مليار درهم من هذه الاستثمارات، بينما تصل حصة الميزانية العامة والحسابات الخصوصية للخزينة ومرافق الدولة المسيرة بصورة مستقلة، بعد تحييد التحويلات، إلى 132,8 مليار درهم.

ويأتي هذا الحجم من الإنفاق الاستثماري في ظرف تعرف فيه أوراش البنية التحتية المرتبطة بشكل مباشر أو غير مباشر بمونديال 2030 تسارعا، وتشمل تمديد الخط فائق السرعة بين القنيطرة ومراكش، وتطوير الشبكة السككية والطرق السيارة، وتعزيز الطاقة الاستيعابية للمطارات، فضلا عن الملاعب ومشاريع النقل الحضري والتجهيزات والخدمات المرتبطة باستقبال التدفقات السياحية المنتظرة.

وتواجه الحكومة المقبلة، بفعل هذه المشاريع، تحدي الانتقال من مرحلة إطلاق الأوراش إلى ضمان تنفيذها داخل الآجال المحددة، والتحكم في تكلفتها، وربط الإنفاق العمومي بمردودية اقتصادية واجتماعية يمكن قياسها.

ولا ينحصر الرهان في استكمال البنيات التحتية قبل صيف 2030، بل يمتد إلى تحويل الاستثمارات المرتبطة بالمونديال إلى محرك مستدام للنمو وخلق فرص الشغل؛ خاصة أن جزءا مهما من الضغط المالي سيستمر خلال السنوات الثلاث المقبلة، في وقت ستكون فيه الحكومة مطالبة بمواصلة تقليص عجز الميزانية ومنع الأوراش الكبرى من التأثير على النفقات الاجتماعية.

وتفيد البرمجة المالية الحكومية باستهداف حصر عجز الميزانية في 3 في المائة من الناتج الداخلي الخام خلال 2026 و2027 و2028، مع تقليص نسبة مديونية الخزينة إلى 65,8 في المائة من الناتج الداخلي الخام خلال السنة الجارية، ثم 64,9 في المائة في 2027 و64,1 في المائة في 2028. وهي أهداف ستجعل هامش تحرك الحكومة المقبلة أكثر ارتباطا بالدقة، خصوصا في حال حدوث صدمات خارجية جديدة مرتبطة بأسعار الطاقة أو المواد الأولية.

2027.. أول اختبار مالي لـ”حكومة المونديال”

من المرتقب أن يشكل مشروع قانون المالية لسنة 2027 أول مؤشر حقيقي على اختيارات الحكومة الجديدة؛ إذ سيكون عليها تحديد كيفية توزيع الموارد بين الاستثمارات المرتبطة بالاستحقاقات الدولية وقطاعات الصحة والتعليم والحماية الاجتماعية والتشغيل، مع الحفاظ على مسار التحكم في عجز الميزانية والدين.

وتنطلق الحكومة المقبلة من مستوى مرتفع من الإنفاق الاجتماعي. فقد بلغ الاعتماد المخصص لقطاع الصحة والحماية الاجتماعية خلال السنة المالية 2026 نحو 42,4 مليار درهم، مع إحداث 8 آلاف منصب مالي جديد بالقطاع. كما تمت برمجة إنشاء حوالي 4800 قسم جديد للتعليم الأولي خلال الموسم 2026-2027، ليرتفع العدد الإجمالي إلى نحو 40 ألف قسم، مع توقع وصول عدد الأطفال المستفيدين إلى قرابة مليون طفل، إضافة إلى توسيع “مدارس الريادة” لتشمل 6626 مدرسة ابتدائية و1286 إعدادية.

وتضاف إلى هذه الالتزامات تكلفة منظومة الدعم الاجتماعي المباشر، التي أصبحت من بين النفقات الثابتة داخل الميزانية؛ إذ تصل الاعتمادات المتوقعة للبرنامج خلال 2026 إلى 29 مليار درهم، بعدما توسعت قاعدة المستفيدين إلى حوالي أربعة ملايين أسرة. وهو ما يجعل الحكومة المقبلة أمام برامج لا يمكن التعامل معها كنفقات مؤقتة قابلة للتقليص بسهولة، بل كالتزامات اجتماعية تتطلب ضمان مصادر تمويل مستدامة.

وفي هذا الصدد، ربط محمد يازيدي شافعي، خبير اقتصادي متخصص في المالية العمومية، صعوبة المرحلة المقبلة بـ”معادلة الأولويات”؛ موضحا أن ارتفاع الاستثمار العمومي لا يشكل إشكالا في حد ذاته إذا تمكنت الدولة من تحسين مردوديته الاقتصادية والاجتماعية، بينما يتمثل التحدي في تجنب تحول تعدد الأوراش إلى ضغط دائم على الميزانية.

وأكد يازيدي شافعي، في تصريح لهسبريس، ضرورة إخضاع المشاريع المرتبطة بمونديال 2030 لمنطق الأولوية والعائد، بما يتيح توجيه الموارد نحو البنيات التي ستواصل خدمة الاقتصاد بعد انتهاء المنافسة، خصوصا السكك الحديدية والمطارات والنقل الحضري والتجهيزات السياحية، معتبرا أن الرهان الأساسي أمام الحكومة المقبلة يتمثل في جعل كل درهم من الاستثمار العمومي قادرا على جذب استثمار خاص إضافي وخلق فرص شغل مستدامة.

وتبرز المعطيات الاقتصادية الحالية أهمية هذا الرهان؛ إذ اعتمدت فرضيات قانون المالية لسنة 2026 على تحقيق نمو اقتصادي في حدود 4,5 في المائة، مع تضخم لا يتجاوز 2 في المائة ومتوسط سعر لبرميل برنت في حدود 65 دولارا. غير أن هذه الفرضيات تبقى رهينة بتقلبات الظرفية الدولية، خاصة مع استمرار المخاطر الجيو-سياسية وتأثيرها المحتمل على أسعار المحروقات وتكلفة الواردات.

البطالة.. الرقم الذي سيطارد الحكومة

إذا كان المونديال يفرض برنامجا استثماريا محددا زمنيا، فإن التشغيل يضع أمام الحكومة المقبلة أولويات اجتماعية أكثر استعجالا؛ إذ كشفت أحدث معطيات المندوبية السامية للتخطيط أن معدل البطالة بلغ 9,5 في المائة خلال الفصل الثاني من 2026، مقابل 10,8 في المائة خلال الفصل الأول، ليستقر عدد العاطلين عند مليون و121 ألف شخص. وبلغ المعدل 11,9 في المائة بالوسط الحضري و5,4 في المائة بالوسط القروي.

ولا تعكس هذه النسبة فقط حجم البطالة، بل تكشف أيضا اختلالات في توزيعها، إذ تصل إلى 27,2 في المائة لدى الشباب الذين تتراوح أعمارهم بين 15 و24 سنة، و14,8 في المائة بين النساء، مقابل 8,1 في المائة لدى الرجال، بينما تبلغ 16,7 في المائة لدى حاملي الشهادات العليا. وتفرض هذه المؤشرات على الحكومة المقبلة تجاوز اعتبار التشغيل نتيجة تلقائية للنمو، نحو اعتماد سياسات تستهدف قدرة الاقتصاد على توفير وظائف لفئات الشباب والخريجين بشكل خاص.

وتتطلب قراءة الأرقام الجديدة قدرا من الحذر، بعدما اعتمدت المندوبية ابتداء من 2026 بحثا جديدا حول القوى العاملة يقوم على مفهوم أكثر صرامة للبطالة، كما وسعت العينة السنوية للبحث من 90 ألفا إلى 135 ألف أسرة؛ لذلك أوضحت المؤسسة الرسمية أن نتائج 2026 لا تقارن مباشرة بالأرقام السابقة الصادرة وفق البحث الوطني حول التشغيل، بل بالسلاسل التي أعيد احتسابها وفق المنهجية الجديدة.

وسيكون على الحكومة الجديدة، بناء على ذلك، تحويل حجم الاستثمار العمومي غير المسبوق إلى فرص عمل حقيقية، خصوصا أن أوراش النقل والمطارات والسكك والطرق والبناء والسياحة المرتبطة بمونديال 2030 توفر فرصة استثنائية لخلق وظائف خلال السنوات المقبلة، غير أن أثر هذه الاستثمارات اجتماعيا سيظل محدودا إذا بقيت فرص الشغل مؤقتة أو ضعيفة القيمة المضافة، أو لم ترافقها برامج تكوين تستجيب لحاجيات القطاعات الجديدة.

القدرة الشرائية.. هدوء التضخم لا يعني تراجع الأسعار

سيكون الملف الثالث الذي ستواجهه الحكومة المقبلة مرتبطا بشكل مباشر بأوضاع الأسر. فبالرغم من تراجع الضغوط التضخمية خلال الأشهر الأخيرة، فإن ذلك لا يعني بالضرورة عودة أسعار مختلف السلع والخدمات إلى مستوياتها السابقة، بعدما تراكمت لدى الأسر زيادات متتالية خلال السنوات الماضية.

وأظهرت آخر معطيات المندوبية السامية للتخطيط تراجع مؤشر أسعار الاستهلاك بـ1 في المائة خلال يوليوز 2026 مقارنة بيونيو، بسبب انخفاض أسعار المواد الغذائية بـ1,9 في المائة وغير الغذائية بـ0,3 في المائة.

وعلى المستوى السنوي، انخفض المؤشر بـ0,6 في المائة، نتيجة تراجع أسعار المواد الغذائية بـ3,7 في المائة، مقابل ارتفاع أسعار المنتجات غير الغذائية بـ1,9 في المائة. كما سجلت أسعار المحروقات انخفاضا بـ4,9 في المائة خلال الفترة نفسها.

غير أن الحكومة المقبلة ستجد نفسها أمام تحد يتجاوز مؤشر التضخم إلى مستوى الدخل الحقيقي للأسر وتكاليف السكن والنقل والتعليم والصحة، ما يجعل ملف القدرة الشرائية مرتبطا أيضا بسياسات الأجور والتشغيل والمنافسة والضرائب والاستهداف الاجتماعي.

وفي هذا الإطار، أوضح عبد الرزاق النوحي، خبير اقتصادي متخصص في السياسات الضريبية، أن قانون المالية لسنة 2027 سيكون مطالبا بتحقيق توازن بين الحاجة إلى تعبئة موارد إضافية لتمويل الاستثمارات والنفقات الاجتماعية، وبين تجنب تحميل الأسر تكلفة هذه التعبئة عبر ضرائب غير مباشرة تؤثر على الاستهلاك.

وشدد النوحي، في تصريح لهسبريس، على أن توسيع الموارد الجبائية لا ينبغي أن يعتمد أساسا على زيادة الضغط على الملزمين الموجودين داخل دائرة الامتثال، بل عبر توسيع الوعاء، وإدماج أنشطة القطاع غير المهيكل، ومحاربة الغش والتهرب، والاستفادة من الرقمنة وتبادل المعطيات لتقليص الفجوة الضريبية. ومن شأن هذا المسار، حسب القراءة نفسها، توفير موارد إضافية للحكومة مع الحفاظ على القدرة الشرائية والتنافسية.

وتضع هذه الملفات مجتمعة الحكومة المقبلة أمام معادلة تتجاوز تدبير ميزانية واحدة؛ إذ سيكون عليها تمويل ذروة الاستثمارات السابقة لمونديال 2030، والاستمرار في بناء الدولة الاجتماعية، وتوفير فرص شغل كافية للشباب، وحماية القدرة الشرائية، مع إبقاء العجز والمديونية ضمن مستويات قابلة للتحكم.

وسيكون تقييم “حكومة المونديال” مرتبطا بأكثر من جاهزية الملاعب والمطارات والطرق والقطارات في الموعد المحدد، إذ سيتمثل الاختبار الأكبر في مدى قدرة مئات مليارات الدراهم المستثمرة خلال هذه المرحلة على ترك اقتصاد أكثر تنافسية بعد صافرة نهاية مونديال 2030، وبنيات تحتية أكثر نجاعة، وفرص شغل أكثر استدامة، وقدرة شرائية أفضل، وفوارق مجالية أقل اتساعا.

“`

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

نستخدم ملفات الكوكيز لنسهل عليك استخدام موقعنا الإلكتروني ونكيف المحتوى والإعلانات وفقا لمتطلباتك واحتياجاتك الخاصة، لتوفير ميزات وسائل التواصل الاجتماعية ولتحليل حركة الزيارات لدينا...لمعرفة المزيد

موافق