سبتة ومليلية.. كيف تتحمل شنغن كلفة إرث استعماري في إفريقيا؟

alyaoum30 alyaoum3014 سبتمبر 2026آخر تحديث :
سبتة ومليلية.. كيف تتحمل شنغن كلفة إرث استعماري في إفريقيا؟

سبتة ومليلية.. كيف تتحمل شنغن كلفة إرث استعماري في إفريقيا؟

ظل البحر الأبيض المتوسط يشكل على الدوام حدا جغرافيا طبيعيا وفاصلا منطقيا بين القارة الأوروبية ونظيرتها الإفريقية، غير أن هذا التنظيم الجغرافي الواضح يخفي حالة استثنائية تفرض على الاتحاد الأوروبي كلفة سياسية وأمنية ومالية، ويتعلق الأمر بمدينتي سبتة ومليلية.

فالوجود الإسباني في هاتين المدينتين الواقعتين فوق التراب الإفريقي لم يعد مجرد قضية سيادة وطنية تخص مدريد وحدها، بل تحول إلى عبء ثقيل يثير تساؤلات أساسية بشأن مستقبل أمن منطقة “شنغن” والحدود الخارجية للاتحاد الأوروبي.

استنزاف “فرونتكس”

أُنشئت الوكالة الأوروبية لحرس الحدود والسواحل “فرونتكس – Frontex” من أجل حماية الحدود الطبيعية والمنطقية للفضاء الأوروبي، وضمان أمن المواطن الأوروبي في مواجهة التحديات العابرة للحدود.

لكن تمسك إسبانيا بالاحتفاظ بجيوبها المستعمرة في شمال إفريقيا جعل هذه المنظومة الأوروبية مرتبطة بجغرافيا مضطربة ومفتعلة، إذ تضخ ملايين اليوروهات سنويا من أموال دافعي الضرائب الأوروبيين، سواء في برلين أو باريس أو ستوكهولم، لتمويل أسوار شائكة وكاميرات حرارية ودوريات أمنية لحماية حدود برية لا توجد داخل أوروبا أصلا.

ويطرح هذا الاستنزاف المالي واللوجستي سؤالا ملحا: هل من المنطقي أن تتحمل الدول الأوروبية تكلفة استمرار وضع استعماري تاريخي يعود إلى قرون، في وقت تواجه فيه القارة تحديات أمنية واقتصادية حقيقية على حدودها الشرقية وفي مياه المتوسط المفتوحة؟

النزعة الكولونيالية

إن جعل أمن منطقة “شنغن” بأكملها مرتبطا بنقطتين جغرافيتين معزولتين في قارة أخرى يمثل مخاطرة استراتيجية غير مبررة، ففي كل مرة تتفاقم فيها أزمات الهجرة أو تتداخل المصالح الجيوسياسية تجد أوروبا نفسها مطالبة بالتدخل دبلوماسيا وماليا لمعالجة الوضع الإسباني.

ويظهر أن الاستجابة لهذه النزعة “الكولونيالية” التي تدفع بعض صناع القرار في مدريد إلى التشبث بهذه الجيوب تأتي على حساب انسجام السياسة الخارجية الأوروبية، فالسعي إلى حماية هذه البقايا التاريخية يعرقل إقامة شراكات استراتيجية متوازنة وحقيقية مع دول الجنوب، ويحول المنظومة الأمنية الأوروبية إلى وسيلة لخدمة رواية وطنية إسبانية لا تستفيد منها بقية دول الاتحاد.

مفارقة “وهران”

ولتوضيح مدى التناقض في هذا الوضع، يكفي طرح سؤال جوهري يكشف المفارقة: ماذا لو أبقت فرنسا، بعد استقلال الجزائر، على مدينة “وهران” كجيب فرنسي في شمال إفريقيا؟

هل كانت إسبانيا ستوافق آنذاك على أن تخصص وكالة “فرونتكس” ميزانيتها ومواردها البشرية لحماية الحدود البرية الفرنسية في وهران؟

وهل كانت مدريد ستقبل بأن يتحمل الفضاء الأوروبي المشترك آثار موجات الهجرة والأزمات الأمنية الناتجة عن إصرار باريس على البقاء في مستعمرة سابقة؟

الإجابة الواضحة ستكون الرفض، إذ كانت إسبانيا ستتعامل مع الأمر باعتباره “شأنا فرنسيا خالصا” ومغامرة استعمارية لا ينبغي للأوروبيين دفع تكلفتها، فلماذا يُطلب من الاتحاد الأوروبي اليوم إظهار هذا التضامن غير المشروط عندما يتعلق الأمر بسبتة ومليلية؟

لقد أصبح من الضروري أن يفتح الاتحاد الأوروبي نقاشا صريحا وواقعيا بعيدا عن الحسابات الدبلوماسية، إذ لا يمكن لمنطقة “شنغن” أن تبقى غطاء لحماية مواقع جغرافية تتعارض مع منطق التاريخ والجغرافيا.

وعلى صناع القرار في بروكسل أن يدركوا أن حماية الحدود الخارجية لأوروبا ينبغي أن تنطلق من حدودها الطبيعية، وأن أمن القارة الجماعي لا يجب أن يظل مرتبطا بتكلفة تاريخية تصر إسبانيا على نقل أعبائها إلى الجميع.

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

نستخدم ملفات الكوكيز لنسهل عليك استخدام موقعنا الإلكتروني ونكيف المحتوى والإعلانات وفقا لمتطلباتك واحتياجاتك الخاصة، لتوفير ميزات وسائل التواصل الاجتماعية ولتحليل حركة الزيارات لدينا...لمعرفة المزيد

موافق