هشام العقراوي استاد باحث كلية العلوم القانونية والسياسية بني ملال جامعة السلطان مولاي سليمان
مع اقتراب موعد الاستحقاق التشريعي، تتحول برشيد إلى واحدة من الدوائر التي تستحق قراءة خاصة في الخريطة الانتخابية، بالنظر إلى طبيعة التنافس السياسي والاجتماعي الذي تعرفه المدينة ومحيطها، وإلى تعدد الفاعلين المتنافسين على المواقع الانتخابية.
فالمعركة الانتخابية في برشيد لا تختزل في سؤال: من سيفوز؟ وإنما تتعلق أساساً بسؤال أكثر تعقيداً: ما هي القوى القادرة على تحويل حضورها السياسي والاجتماعي والتنظيمي إلى أصوات انتخابية فعلية؟
ومن هنا تبدو الانتخابات التشريعية المقبلة أقرب إلى سباق مفتوح، قد تحسمه تفاصيل صغيرة: قوة التنظيم، الحضور الميداني، القدرة على التواصل، صورة المرشح، درجة تعبئة القواعد، ونسبة المشاركة.
السيناريو الأول: استمرار منطق القوة التنظيمية
يفترض هذا السيناريو أن الأحزاب التي تتوفر على هياكل تنظيمية حقيقية، وشبكة مناضلين ومتعاطفين، وقدرة على تغطية مختلف الأحياء والمناطق، ستكون صاحبة الأفضلية.
فالانتخابات لا تحسم دائماً بقوة الخطاب السياسي، وإنما تحتاج إلى ماكينة انتخابية قادرة على تحويل التعاطف إلى تصويت فعلي يوم الاقتراع.
وفي هذا السيناريو، ستكون الأفضلية للحزب الذي يستطيع أن يشتغل بشكل منظم خلال الأيام الأخيرة للحملة، وأن يربط بين القيادة السياسية المحلية والقاعدة الانتخابية، وأن يضمن حضوراً ميدانياً متوازناً في مختلف مناطق الدائرة.
السيناريو الثاني: صعود المرشح على حساب الحزب
قد تعرف برشيد سيناريو مختلفاً، يتمثل في تحول الانتخابات من منافسة حزبية بالدرجة الأولى إلى منافسة بين بروفايلات سياسية واجتماعية.
ففي بعض الدوائر، قد يكون اسم المرشح وحضوره الاجتماعي وسمعته وعلاقاته وقدرته على التواصل أكثر تأثيراً من اسم الحزب نفسه.
وفي هذه الحالة، يمكن لمرشح ذي حضور شخصي قوي أن يتجاوز حدود القاعدة التقليدية لحزبه، ويستقطب أصواتاً من خارجها.
وهذا السيناريو يجعل الانتخابات أكثر ارتباطاً بشخصية وكفاءة المرشح، وبقدرته على إقناع الناخب بأن تمثيله داخل البرلمان سيكون إضافة حقيقية للمدينة والإقليم.
السيناريو الثالث: مفاجأة الأحزاب الصاعدة
لا ينبغي استبعاد احتمال أن تتمكن أحزاب أقل حضوراً في الاستحقاقات السابقة من تحقيق نتيجة مفاجئة.
فالمشهد الانتخابي لا يبقى ثابتاً، والناخب قد يبحث في كل استحقاق عن بدائل جديدة، خصوصاً إذا شعر بأن المنافسة التقليدية لم تعد تلبي انتظاراته.
لكن تحقيق المفاجأة يتطلب أكثر من الحضور الإعلامي أو النشاط الظرفي؛ إذ يحتاج إلى مرشح قادر على بناء الثقة، وتنظيم ميداني فعال، وخطاب انتخابي واضح، وقدرة على الوصول إلى الفئات التي عادة ما تكون أقل ارتباطاً بالأحزاب.
السيناريو الرابع: معركة المشاركة الانتخابية
قد يكون العامل الأكثر حسماً في انتخابات برشيد ليس فقط من يملك أكبر قاعدة انتخابية، وإنما من يستطيع تعبئة الناخبين يوم الاقتراع.
فنسبة المشاركة يمكن أن تعيد ترتيب موازين القوى بشكل كبير.
وفي حالة ارتفاع المشاركة، قد تستفيد الأحزاب والمرشحون القادرون على مخاطبة فئات جديدة من الناخبين، خصوصاً الشباب والطبقة الوسطى والناخبين الذين لا يرتبطون تقليدياً بحزب معين.
أما في حالة انخفاض المشاركة، فقد تصبح للقواعد الانتخابية التقليدية والشبكات التنظيمية والاجتماعية قدرة أكبر على التأثير في النتيجة.
وبذلك تتحول المشاركة من مجرد مؤشر إحصائي إلى متغير سياسي حاسم.
السيناريو الخامس: السباق الثلاثي أو الرباعي
السيناريو الأكثر أهمية يتمثل في أن تنحصر المنافسة الفعلية بين ثلاثة أو أربعة مرشحين أو أحزاب، بحيث تصبح كل نقطة انتخابية وكل حي وكل مجموعة من الناخبين مؤثرة في النتيجة النهائية.
في هذه الحالة، لن يكون هناك مرشح قادر على الاطمئنان إلى النتيجة قبل إغلاق صناديق الاقتراع.
وستصبح الأيام الأخيرة من الحملة حاسمة، خصوصاً على مستوى التواصل المباشر، وإقناع المترددين، وتعبئة القواعد، وتوسيع دائرة المؤيدين.
وقد يؤدي هذا النوع من المنافسة إلى نتيجة متقاربة جداً بين المتنافسين، بحيث لا تظهر الخريطة الحقيقية للفائزين إلا بعد فرز الأصوات.
ما الذي سيحسم الانتخابات في برشيد؟
بعيداً عن التوقعات الجاهزة، يمكن تحديد خمسة عوامل أساسية ستؤثر في النتيجة:
أولاً: شخصية المرشح.
فالمرشح الذي يمتلك رصيداً من الثقة والسمعة والتواصل قد يحول حضوره الاجتماعي إلى قوة انتخابية.
ثانياً: التنظيم.
فالانتخابات تحتاج إلى عمل ميداني متواصل، وليس إلى حضور انتخابي موسمي.
ثالثاً: الرسالة الانتخابية.
كلما كانت الرسالة واضحة ومرتبطة بمشاكل المواطنين، زادت قدرتها على الإقناع.
رابعاً: الشباب والناخبون المترددون.
هذه الفئات قد تكون الأكثر قدرة على تغيير موازين المنافسة، لأنها لا تتحرك بالضرورة وفق الولاءات الانتخابية التقليدية.
خامساً: يوم الاقتراع.
قد تنجح حملة انتخابية في خلق حضور جماهيري وإعلامي واسع، لكنها تفشل في تحويل ذلك الحضور إلى أصوات، لذلك يبقى الاختبار الحقيقي يوم التصويت.
برشيد أمام امتحان جديد
تكتسي الانتخابات التشريعية أهمية خاصة بالنسبة لبرشيد، لأنها لا تتعلق فقط بتحديد ممثلي الإقليم داخل مجلس النواب، وإنما أيضاً بتحديد طبيعة العلاقة المستقبلية بين النخب السياسية والساكنة.
فالمدينة والإقليم يحتاجان إلى تمثيلية قادرة على نقل انشغالات المواطنين إلى المؤسسة التشريعية، والدفاع عن قضايا التنمية والاستثمار والتشغيل والبنيات التحتية والخدمات العمومية.
ومن ثم، فإن الناخب البرشيدي سيكون أمام مسؤولية اختيار المرشح الذي يستطيع أن يحول الثقة الانتخابية إلى أداء مؤسساتي.
الانتخابات لم تحسم بعد
رغم أن بعض المؤشرات قد توحي بتقدم هذا الحزب أو ذاك، فإن القراءة الموضوعية تقتضي عدم التعامل مع الانتخابات باعتبارها نتيجة محسومة قبل الاقتراع.
فبرشيد تعرف منافسة متعددة المستويات، والحملة الانتخابية يمكن أن تعيد ترتيب الأوراق في أي لحظة.
والفارق بين الفوز والخسارة قد لا يكون كبيراً، وقد تحسمه قدرة المرشح على استقطاب شريحة محدودة من الناخبين المترددين، أو نجاح حزب في تعبئة قواعده، أو ارتفاع أو انخفاض نسبة المشاركة.
ولهذا فإن السيناريو الأكثر واقعية في الوقت الراهن هو سيناريو المنافسة المفتوحة؛ حيث تبقى الحظوظ مرتبطة بالعمل الميداني وبقدرة كل طرف على تحويل رصيده السياسي والاجتماعي والتنظيمي إلى أصوات يوم الاقتراع.
وفي النهاية، لن تكون برشيد أمام انتخابات عادية، بل أمام اختبار حقيقي لقدرة الأحزاب والمرشحين على إقناع المواطن بأن صوته ليس مجرد رقم في عملية انتخابية، وإنما أداة لاختيار من سيمثله ويدافع عن مصالحه داخل المؤسسة التشريعية.






















