اليسار المغربي بين الحضور الرمزي في الذاكرة السياسية و ضعف في التأثير الاجتماعي والانتخابي

alyaoum30 alyaoum302 مايو 2026آخر تحديث :
اليسار المغربي بين الحضور الرمزي في الذاكرة السياسية و ضعف في التأثير الاجتماعي والانتخابي

يعيش اليسار المغربي اليوم مفارقة لافتة: حضور رمزي قوي في الذاكرة السياسية والنضالية، مقابل ضعف ملموس في التأثير الاجتماعي والانتخابي.

مفارقة تطرح سؤالا جوهريا: كيف لتيار نشأ من رحم النضالات العمالية والشعبية أن يبتعد تدريجيا عن نفس الحاضنة التي منحته شرعيته التاريخية؟
إن أحد أبرز أسباب هذا الضعف يكمن، دون شك، في ابتعاد جزء كبير من مكونات اليسار عن الشأن الاجتماعي اليومي، وعن الانخراط الفعلي في قضايا الطبقة العاملة والفئات الشعبية. فكما يقول الفرنسيون: “on ne peut être socialiste si on est loin du social”، أي لا يمكن أن تكون اشتراكيا إذا كنت بعيدا عن الاجتماعي. وهذه ليست مجرد حكمة لغوية، بل خلاصة تجربة تاريخية عميقة تؤكد أن الاشتراكية، في جوهرها، ليست خطابا نظريا ولا مجرد بيانات موسمية، بل ممارسة يومية داخل المجتمع.


لقد تحول جزء من اليسار المغربي، مع مرور الزمن، من فاعل ميداني قوي إلى فاعل خطابي؛ من قوة اقتراحية مرتبطة بنبض الشارع إلى قوة سياسية منشغلة بتوازنات النخب، وتحالفات الظرف، وحسابات الانتخابات. وهنا يكمن الخلل البنيوي: حين يفقد اليسار صلته العضوية بالطبقات الشعبية، فإنه يفقد تدريجيا مبرر وجوده.


وفي هذا السياق، تبرز مفارقة أخرى أكثر حدة: لا يمكن لليسار أن يعول على أصوات الشغيلة في الاستحقاقات الانتخابية وهو غائب عن قضاياهم ومعاناتهم اليومية. فالتصويت ليس مجرد تعاطف عابر، بل هو امتداد لعلاقة ثقة تبنى في الميدان.

حين يغيب اليسار عن مواقع العمل، وعن نضالات العمال، وعن معاركهم حول الأجور والحماية الاجتماعية والكرامة المهنية، فإنه يفرغ خطابه الانتخابي من مضمونه، ويحول طلبه للأصوات إلى فعل انتهازي لا يختلف كثيرا عما تمارسه قوى لا تدعي أصلا الانتماء إلى المشروع التقدمي. بذلك، لا يعود اليسار يسارا بالمعنى التاريخي، بل يتحول إلى فاعل سياسي يسعى إلى اقتناص الأصوات دون أن يؤدي كلفتها النضالية.


إن النضال الاجتماعي لا يختزل في إصدار البلاغات أو التعبير عن التضامن عبر وسائل التواصل، بل يتجسد في الحضور الميداني داخل المعامل، والإدارات، والأحياء الشعبية، وفي دعم الإضرابات، وتأطير الاحتجاجات، والمساهمة في بناء الوعي الجماعي. لقد كان اليسار المغربي، في لحظاته القوية، مرتبطا بالحركة النقابية، بالحركات الطلابية، وبمختلف أشكال التنظيم الذاتي للجماهير. وكان هذا الارتباط هو مصدر قوته وتأثيره.


أما اليوم، فإن هذا الرابط يبدو هشا في كثير من الحالات ان لم يكن شبه منعدم. فبدل أن تكون الأحزاب اليسارية في قلب الديناميات الاجتماعية، أصبحت في كثير من الأحيان على هامشها، تراقب من بعيد أو تتدخل بشكل متأخر. وهذا ما يفسح المجال أمام قوى أخرى—بعضها محافظ أو شعبوي—لملء الفراغ الاجتماعي والتأثير في الوعي الشعبي.


إن استعادة اليسار المغربي لدوره التاريخي تمر حتما عبر إعادة بناء علاقته بالاجتماعي، ليس كشعار، بل كممارسة. وهذا يقتضي أولا إعادة الاعتبار للعمل القاعدي، والانخراط في القضايا الملموسة: التشغيل، الصحة، التعليم، الحماية الاجتماعية، القدرة الشرائية، وظروف العمل. كما يقتضي الانفتاح على أشكال جديدة من التنظيم الاجتماعي، خاصة في ظل التحولات التي يعرفها سوق الشغل، من هشاشة وتفكيك للعلاقات التقليدية للعمل.


ثانيا، يحتاج اليسار إلى تجديد خطابه السياسي ليكون أكثر التصاقا بلغة الناس وهمومهم، بعيدا عن التعقيد النظري المفرط أو الشعارات العامة.

فالمواطن البسيط لا يبحث عن تحليل أيديولوجي مجرد، بل عمن يدافع عنه في معاركه اليومية.
وثالثا، وهو الأهم، على اليسار أن يستعيد مصداقيته عبر الممارسة. فالثقة لا تبنى بالكلمات، بل بالفعل.

حين يرى المواطن أن المناضل اليساري حاضر إلى جانبه في لحظات الشدة، ومدافع عنه في الميدان، فإنه سيعيد النظر في موقفه من هذا التيار.
في النهاية، يمكن القول إن أزمة اليسار المغربي ليست قدرا محتوما، بل نتيجة خيارات يمكن مراجعتها.

فاليسار الذي يعود إلى جذوره الاجتماعية، وينخرط بصدق في قضايا الناس، قادر على استعادة دوره وتأثيره. أما اليسار الذي يكتفي بالخطاب، ويبتعد عن الواقع، فإنه محكوم عليه بالتآكل التدريجي، مهما كانت شعاراته براقة وعليه ان يكتفي بمقاعد البقايا.


فالاشتراكية، في جوهرها، ليست فكرة تقال، بل حياة تعاش يوميا. ومن أراد أن يكون يساريا بحق، فعليه أن يكون في قلب المجتمع، لا على هامشه.
عثمان باقة

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

نستخدم ملفات الكوكيز لنسهل عليك استخدام موقعنا الإلكتروني ونكيف المحتوى والإعلانات وفقا لمتطلباتك واحتياجاتك الخاصة، لتوفير ميزات وسائل التواصل الاجتماعية ولتحليل حركة الزيارات لدينا...لمعرفة المزيد

موافق