أحداث سبتة أمام البرلمان الأوروبي.. اتهامات بلا أدلة واضحة

alyaoum30 alyaoum3017 سبتمبر 2026آخر تحديث :
أحداث سبتة أمام البرلمان الأوروبي.. اتهامات بلا أدلة واضحة

“`html

أحداث سبتة أمام البرلمان الأوروبي.. اتهامات بلا أدلة واضحة

يستعد البرلمان الأوروبي لمناقشة الأحداث المأساوية التي عرفتها سبتة يومي 30 و31 يوليوز، في إطار عنوان يتحدث مسبقًا عن “هجمات هجينة حديثة” و”توظيف المهاجرين”.

الإشكال لا يرتبط بمناقشة البرلمان الأوروبي لهذه الأحداث؛ فمن حقه الكامل القيام بذلك، بل إن خطورة هذه المأساة تستوجب تحليلًا دقيقًا لأسبابها ومسارها وطريقة تدبيرها ميدانيًا. غير أن المشكلة تظهر في كون عنوان النقاش يبدو، قبل بدايته، وكأنه حسم مسبقًا طبيعة الفعل، وأثبت النية الكامنة خلفه، وحدد بشكل ضمني الجهة المسؤولة عنه.

لا يفترض بأي برلمان أن يبدأ بالإدانة ثم يبحث لاحقًا عن المعطيات التي قد تمنحها مبررًا. بل ينبغي أن ينطلق من الوقائع، قبل أن يخلص، بعد نقاش تعددي ومتوازن، إلى استنتاجاته.

مأساة تفرض الحقيقة أولاً:

أفرزت أحداث 30 و31 يوليوز وضعًا إنسانيًا وأمنيًا شديد الخطورة. فقد اتجه آلاف الأشخاص نحو سبتة خلال فترة زمنية وجيزة جدًا، وفقد أشخاص حياتهم، ولا تزال أسر عديدة تنتظر معلومات عن أقاربها، في وقت واجهت فيه المصالح العمومية على جانبي “الحدود” ضغطًا استثنائيًا.

لذلك، يتمثل المطلب الأول في الحفاظ على كرامة الضحايا والمفقودين وعائلاتهم، وكل من وجدوا أنفسهم في دائرة الخطر.

أما المطلب الثاني فهو الوصول إلى الحقيقة.

ينبغي التحقيق في أي تقصير محتمل، وتحديد مختلف المسؤوليات الميدانية، والإقرار بأي أخطاء، وكشف أي عمليات تلاعب. لكن حجم الحدث لا يجعل الفرضية دليلًا بشكل تلقائي، كما لا يحول الاتهام السياسي إلى واقعة مثبتة من الناحية القانونية.

وقبل استعمال تعابير قوية مثل “الابتزاز” و”الحرب الهجينة” و”التوظيف الحكومي للمهاجرين”، يجب طرح سؤال واضح: ما الأدلة التي تثبت صدور قرار عن الدولة المغربية لتنظيم عمليات العبور هذه أو توجيهها أو تسهيلها بشكل متعمد؟

حتى الآن، لم يتم الكشف عن أي تعليمات موثقة، أو أوامر عملياتية، أو مطالب سياسية، أو تسلسل قيادي يثبت وجود قرار من هذا النوع.

أربعة أسئلة يجب عدم خلطها:

لفهم ما جرى، يتعين الفصل بين أربعة أسئلة مختلفة.

ما الذي حدث ميدانيًا، ساعة بساعة وقطاعًا بقطاع؟ هل وقعت أخطاء أو اختلالات عملياتية؟ وما حجم دور الشبكات الإجرامية والمهربين والتعبئة الرقمية؟ وأخيرًا، هل توجد أدلة على صدور قرار سياسي عن الدولة المغربية بهدف افتعال هذه الأزمة؟

تتطلب الأسئلة الثلاثة الأولى تحقيقًا شاملًا. أما السؤال الرابع، فلا يمكن اعتباره محسومًا فقط لأن حجم الأحداث كان استثنائيًا.

قد تواجه الحدود ضغطًا يتجاوز أحيانًا القدرة على ضبطه. وقد تجد القوات المنتشرة نفسها أمام تحرك سريع ومتزامن وموزع على مساحة جغرافية واسعة. كما يمكن أن تقع أخطاء في التقدير أو التنسيق. غير أن عدم القدرة المؤقتة على احتواء جميع التحركات في مختلف النقاط لا يمثل، بحد ذاته، دليلًا على وجود رغبة في تسهيلها.

لا ينبغي الخلط بين القدرة والقصد. فالقصور العملياتي، مهما كانت خطورته، لا يكفي لإثبات وجود استراتيجية دولة.

تعبئة تم الإعداد لها عبر شبكات التواصل الاجتماعي:

لم تبدأ الأحداث بشكل مفاجئ صباح 30 يوليوز. فقد انتشرت خلال الأيام التي سبقت ذلك عبر “واتساب” و”فيسبوك” ومنصات رقمية أخرى دعوات إلى دخول جماعي إلى سبتة.

وقامت مجموعات ذات متابعة واسعة بنشر أماكن التجمع والمسارات والمواعيد وإرشادات عملية لعبور الحدود بحرًا أو عبر السياج “الحدودي”. كما تحدثت معطيات منشورة في إسبانيا عن مجموعات يتابعها نحو 180 ألف شخص.

وجرى تقديم يوم 30 يوليوز على أنه “فرصة” ينبغي استغلالها، بدعوى أن المؤسسات والمصالح الأمنية المغربية ستكون منشغلة باحتفالات عيد العرش.

كما ساهمت صور ومقاطع فيديو لأشخاص ظهر أنهم تمكنوا من الوصول إلى سبتة في تعزيز تأثير المحاكاة. وتم كذلك تداول تفسيرات مضللة أحيانًا لبعض التطورات القضائية الإسبانية المرتبطة بالإعادة عبر البحر، باعتبارها مؤشرًا على سهولة العبور.

وانضمت إلى هذه الدينامية شبكات التهريب والوسطاء الإجراميون، الذين استفادوا بسرعة من الانتشار الكبير لهذه المضامين ومن الأمل الذي ولدته عمليات الوصول الأولى.

وبذلك، شكلت التعبئة الرقمية والمعلومات المضللة ومقاطع العبور الناجح والإرشادات العملية عوامل مستقلة وذات تأثير قوي. والاعتراف بهذه العناصر لا يلغي ضرورة فحص تصرفات السلطات. غير أن تجاهلها وحصر الأزمة كلها في قرار مفترض صادر عن الرباط يعني استبعاد الوقائع التي لا تتوافق مع نتيجة تم تحديدها مسبقًا.

المغرب كان يتدخل قبل 30 يوليوز:

خلال الأيام التي سبقت الأزمة، كانت قوات الأمن المغربية قد بدأت بالفعل عمليات استباقية. فقد تم إحباط محاولات للمغادرة، وتفريق تجمعات، وفرض قيود على الوصول إلى بعض المناطق، إضافة إلى ملاحقة أشخاص يشتبه في مشاركتهم بتنظيم عمليات العبور.

واستمرت هذه التدخلات حتى خلال الفترة التي وصفها بعض المراقبين لاحقًا بأنها شهدت “تراخيًا” متعمدًا في المراقبة.

ومن المشروع التساؤل حول مدى كفاية الوسائل المنتشرة، وطريقة التعامل مع الإنذارات، وإمكانية تحسين التنسيق. لكن لا يمكن تحويل تقصير مفترض بصورة تلقائية إلى قرار سياسي، ثم تحويل ذلك القرار المفترض إلى “هجوم هجين”، دون تقديم عناصر تثبت هذا التسلسل في المسؤولية.

لماذا تم اختيار عيد العرش؟:

يحتاج تاريخ 30 يوليوز بدوره إلى قراءة عقلانية.

يعد عيد العرش من أبرز المناسبات الوطنية المغربية. وخلاله تكون مؤسسات الدولة والمصالح الأمنية معبأة في مختلف مناطق البلاد لتأمين المراسم الرسمية والأنشطة العمومية.

وقد دعت الرسائل المتداولة عبر الإنترنت الراغبين في العبور بشكل صريح إلى استغلال هذه التعبئة الوطنية. لذلك، مثل التاريخ فرصة بالنسبة إلى منظمي التحرك.

لكن، في المقابل، ما الذي كان سيكسبه المغرب من افتعال أزمة جماعية بهذا الحجم في ذلك اليوم تحديدًا؟ ولماذا قد يختار تعريض مواطنيه للخطر، وتشويش احتفاله الوطني، ووضع قواته الأمنية أمام ضغط استثنائي، وإحداث أزمة دولية كان من الممكن توقعها؟

إن رمزية يوم 30 يوليوز تعزز أكثر فرضية استغلال منظمي عمليات العبور لهذا التاريخ، وليس فرضية وجود عملية خططت لها الدولة المغربية.

الابتزاز، لكن للحصول على ماذا؟:

يستخدم مفهوم “الابتزاز” على نطاق واسع، غير أن الابتزاز يفترض وجود مطلب أو شرط أو تنازل يراد انتزاعه عبر الضغط.

فما هو المطلب الذي أراد المغرب تحقيقه؟ وما الإنذار الذي يفترض أنه وجهه إلى إسبانيا أو الاتحاد الأوروبي؟ وما التنازل الذي طلبته الرباط مقابل وقف عمليات العبور؟

لم يتم الكشف عن أي مطلب من هذا القبيل.

إن ابتزازًا بلا مطلب، وبلا إنذار، وبلا مقابل مطلوب، لا يعد ابتزازًا، بل وصفًا سياسيًا يفتقد إلى أساسه الواقعي.

أما مصطلح “الحرب الهجينة”، فيحتاج إلى قدر أكبر من الدقة. فهو يفترض وجود تنسيق ونية عدائية واستعمال مقصود لوسائل متعددة بهدف زعزعة استقرار دولة أخرى أو دفعها إلى اتخاذ موقف معين. ولا يمكن استخلاص ذلك من مجرد حجم حركة هجرة غير نظامية أو من قصور مفترض في مراقبة الحدود خلال ساعات محددة.

وإلا أصبح مفهوم استراتيجي دقيق مجرد تعبير إعلامي يمنح الفرضية مظهر الحقيقة.

الإجراءات اللاحقة تناقض فرضية استخدام الهجرة وسيلة للضغط والإكراه السياسي:

بعد اتضاح حجم التحرك، أعادت القوات المغربية فرض المراقبة وتعزيزها. ثم تعاون المغرب في إعادة قبول عدد كبير جدًا من الأشخاص الذين تمكنوا من عبور الحدود.

كما أعلن رسميًا استعداده لإعادة قبول المهاجرين غير النظاميين المعنيين، وطالب بالعودة العاجلة للقاصرين المغاربة غير المصحوبين إلى أسرهم.

ويصعب الجمع بين هذه الإجراءات ونظرية وجود سياسة متعمدة لتوظيف الهجرة. فالدولة التي تستخدم الهجرة للضغط لن تعمل في الوقت نفسه على منع المغادرة، وإعادة فرض المراقبة، وقبول عمليات الإعادة، والمطالبة بعودة قاصريها.

ولا يرتبط التعاون المغربي في مجال الهجرة بهذين اليومين فقط. فبين سنتي 2023 و2025، أحبطت السلطات المغربية أكثر من 227 ألف محاولة للهجرة غير النظامية، وفككت أكثر من 1050 شبكة للاتجار والتهريب، وأنقذت عشرات الآلاف من الأشخاص في البحر.

ولا تمنع هذه النتائج توجيه الانتقادات، كما لا تمنح المغرب حصانة من تقييم أفعاله. لكنها تؤكد أن سياسته المستمرة تقوم على الوقاية والإنقاذ وإعادة القبول والتعاون، وليس على الاستعمال المنهجي للهجرة كسلاح.

قد يكون هناك توظيف للمهاجرين، لكن من المسؤول عنه؟

من الواضح أن أشخاصًا يعيشون أوضاعًا هشة تم دفعهم إلى المخاطرة بحياتهم اعتمادًا على وعود ومقاطع فيديو وشائعات ومعلومات مضللة في كثير من الأحيان. لذلك، توجد بالفعل قضية حقيقية مرتبطة باستغلال المهاجرين وتوظيفهم.

لكن إثبات هذا الاستغلال لا يعني تلقائيًا تحميل دولة مسؤولية القيام به.

ينبغي تحديد الحسابات التي أطلقت الدعوات، والمسؤولين عن إدارة المجموعات، والشبكات التي نشرت المسارات، ومصادر التمويل المحتملة، والمهربين، والجهات التي عملت على توسيع انتشار هذه المضامين. كما يجب معرفة من استغل من، وبأي وسائل، ولأي هدف.

يجب إثبات هوية الجهة المسؤولة عن هذا الاستغلال، وليس افتراضها.

على البرلمان الأوروبي أن يناقش، لكن انطلاقًا من الوقائع:

يمتلك البرلمان الأوروبي كامل الشرعية لدراسة أحداث سبتة، ومساءلة آليات حماية “الحدود الخارجية”، والمطالبة بإجابات من المؤسسات المعنية.

غير أن نقاشه سيكون أكثر مصداقية إذا فصل بوضوح بين الوقائع المثبتة والادعاءات، وبين أوجه القصور العملياتية والقصد السياسي، وبين أفعال الشبكات الإجرامية وأفعال مؤسسات الدولة، وبين النقد المشروع والاتهام غير المدعوم بالأدلة.

لن يكون الحل الأكثر فائدة إصدار قرار يقوم على توصيفات محددة مسبقًا، بل بناء تسلسل زمني مشترك، وتحسين تبادل الإنذارات في الوقت الحقيقي، وتعزيز مواجهة المهربين والتحريض الرقمي، وتنسيق التعامل مع التحركات المفاجئة، وتحديد هويات الضحايا والمفقودين، وضمان الإعادة القانونية والإنسانية للمهاجرين غير النظاميين والقاصرين غير المصحوبين.

لا يطلب المغرب من أحد التخلي عن المراجعة النقدية. لكنه يطالب بأن تكون هذه المراجعة شاملة ومتوازنة ومرتكزة على معايير الإثبات ذاتها التي تعتمدها أوروبا في تقاليدها القانونية والديمقراطية.

تجمع بين ضفتي المتوسط روابط الجغرافيا والأمن والتبادل الإنساني، كما تربطهما مصالح استراتيجية مشتركة. ولن يستفيد المغرب أو إسبانيا أو الاتحاد الأوروبي من تحويل مأساة إنسانية إلى وسيلة للاستقطاب السياسي.

الحقيقة لا تعفي أي حكومة من مسؤولياتها المحتملة، لكنها تحمي النقاش الديمقراطي من انحراف لا يقل خطورة: إصدار الأحكام قبل إثبات الوقائع.

* يعبّر الكاتب عن موقفه بصفته الرئيس المشارك المغربي للجنة البرلمانية المشتركة بين المغرب والاتحاد الأوروبي، والآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأيه الشخصي.

“`

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

نستخدم ملفات الكوكيز لنسهل عليك استخدام موقعنا الإلكتروني ونكيف المحتوى والإعلانات وفقا لمتطلباتك واحتياجاتك الخاصة، لتوفير ميزات وسائل التواصل الاجتماعية ولتحليل حركة الزيارات لدينا...لمعرفة المزيد

موافق