صحيفة إسبانية: حيجاوي بحث عن الهروب إلى الجزائر وتواصل مع جنرال فنزويلي

alyaoum30 alyaoum3016 سبتمبر 2026آخر تحديث :
صحيفة إسبانية: حيجاوي بحث عن الهروب إلى الجزائر وتواصل مع جنرال فنزويلي

صحيفة إسبانية: حيجاوي بحث عن الهروب إلى الجزائر وتواصل مع جنرال فنزويلي

في أحيان كثيرة، تظهر الحقيقة من حيث لا ينتظرها من يسعون إلى تقديم روايات مغايرة، فبينما يحاول البعض صناعة بطولات غير موجودة ورسم صورة قائمة على المظلومية، تتولى الوقائع الثابتة والتحقيقات الصحافية كشف تلك الأقنعة وإبراز حقيقة أصحابها.

وهذا تحديدا ما أظهرته المعطيات التي نشرتها الصحيفة الإلكترونية الإسبانية “The Objective” بشأن المهدي حيجاوي، الذي سعى إلى تقديم نفسه باعتباره “صندوقا أسود” لأجهزة المخابرات المغربية الخارجية، قبل أن تقدم الصحيفة صورة مغايرة تماما عنه، باعتباره شخصا هاربا من العدالة يبحث عن مخرج بأي وسيلة، ومستعدا، وفق التحقيق، للمساومة بما يصفه أسرارا ووثائق حساسة مقابل ضمان حماية شخصية تحول دون تسليمه إلى المغرب.

التحقيق الذي نشرته الصحيفة الإسبانية بتاريخ 14 شتنبر 2026، من إعداد الصحافية تيريزا غوميز، لم يكن مجرد تقرير صحافي عابر، بل جاء أقرب إلى ملف سياسي وأخلاقي يكشف سلسلة من التحركات والاتصالات التي وضعت رواية حيجاوي أمام اختبار دقيق.

ومن خلال قراءة ما نشرته الصحيفة الإسبانية، تبرز ملامح شخصية انتهازية، مستعدة، بحسب الرواية المقدمة، لاستعمال كل ما تملكه أو تزعم امتلاكه من أجل ضمان نجاتها الشخصية، حتى لو أدى ذلك إلى الارتماء في أحضان شبكات استخباراتية أجنبية أو التفكير في اللجوء إلى الجزائر.

التحالف مع “إل بويو”

أول ما يلفت الانتباه في المسار الذي عرضته الصحيفة هو الطرف الذي اختاره حيجاوي من أجل ترتيب وضعه في إسبانيا خلال صيف 2024، إذ لم يلجأ، حسب التحقيق، إلى منظمات حقوقية واضحة، ولم يختر مسارا قانونيا مباشرا وشفافا، بل استعان بشبكة هوغو أرماندو كارفاخال باريوس، المعروف باسم “إل بويو”، وهو مسؤول سابق في الاستخبارات العسكرية الفنزويلية ارتبط اسمه لسنوات بمتابعات قضائية أميركية وملفات بالغة الحساسية.

ولا يبدو هذا الاختيار عشوائيا، لأنه يعكس، وفق ما ورد في التحقيق، طبيعة التحركات التي اعتمدها حيجاوي، فشخص يقدّم نفسه باعتباره صاحب حقيقة ونزاهة، ويدعي امتلاك أسرار مهمة، انتهى إلى الاعتماد على شبكة لها صلة بمسؤول استخباراتي فنزويلي مثير للجدل.

وفي هذه النقطة تحديدا، تتراجع صورة “المعارض” أو “كاشف الفساد” التي يسعى مقربوه إلى ترويجها، لتحل محلها صورة رجل يحاول إيجاد مخرج من مأزقه، ومستعد لاستخدام قنوات خفية وأطراف تساعد على تفادي العدالة الدولية من أجل حماية نفسه.

وحسب ما ذكرته الصحيفة الإسبانية، لم يكن الأمر مجرد تواصل عابر أو طلب استشارة محدود، بل كان جزءا من مسار هدفه ترتيب إقامة حيجاوي في إسبانيا وضمان وضعه هناك.

وهو ما يمنح هذه العلاقة بعدا يتجاوز مجرد معرفة شخصية، لأن الاعتماد على شبكة من هذا النوع يثير تساؤلات حول طبيعة الخدمات التي كان يسعى إليها، وما إذا كان مستعدا لتقديم مقابل سياسي أو معلوماتي من أجل تأمين حمايته.

المساومة بالوطن

وتصبح الصورة أكثر تعقيدا عندما يكشف التحقيق الإسباني أن حيجاوي قدم، في 7 أكتوبر 2024، ما وصفه بـ”معلومات حصرية” إلى النيابة العامة لدى المحكمة الوطنية الإسبانية، برئاسة خيسوس ألونسو، عارضا هذه المعطيات في إطار بحثه عن حماية قانونية وسياسية تمنع تسليمه إلى السلطات المغربية.

وهذا التصرف، إذا تم التعامل معه وفق ما نشرته الصحيفة الإلكترونية الإسبانية، يعكس صورة شديدة السلبية، لأن الهدف لم يكن البحث عن العدالة في حد ذاتها، وإنما تقديم ما يعتبره أسرارا مرتبطة ببلده كورقة تفاوض مقابل النجاة الشخصية، فالعقلية التي تقبل بوضع ما تصفه بـ”الملفات الحساسة” أمام جهات أجنبية مقابل الحماية تنظر إلى المعلومات الوطنية كوسيلة للمقايضة، وتتعامل معها كأوراق ضغط تستخدم عند اشتداد الأزمة.

ويزداد الأمر تعقيدا عندما يكون الغرض من ذلك، وفق رواية “The Objective”، هو الحصول على حماية تمنع مواجهة القضاء المغربي، إذ لا يتعلق الأمر هنا بموقف مبدئي أو خيار سياسي، بل بمحاولة تأمين الحماية عبر ورقة سياسية، واستعمال ما يعتقد صاحبها أنها أسرار دولة لضمان مستقبله الشخصي، بما يحول ادعاء كشف الحقائق إلى مسعى يقوم على تحقيق منفعة فردية.

مفارقة “بيغاسوس”

وتصل القضية إلى أكثر مراحلها إحراجا عندما تفيد الصحيفة بأن حيجاوي ادعى في مراسلاته مع السلطات الإسبانية امتلاك “ملفات سرية وغير منشورة” حول استعمال برنامج “بيغاسوس” للتجسس على رئيس الحكومة الإسبانية بيدرو سانشيز وعدد من وزرائه، في محاولة لاستثمار أحد أكثر الملفات حساسية في المشهد السياسي الإسباني.

غير أن التناقض الزمني وحده يثير شكوكا كبيرة حول هذه الرواية، فكيف يمكن لشخص غادر منصبه سنة 2010 أن يمتلك، استنادا إلى موقعه السابق، ملفات سرية مرتبطة بقضية لم تصبح محط اهتمام عالمي إلا بعد مرور أكثر من عقد؟ ويطرح ذلك تساؤلات حول مصدر هذه المعلومات المزعومة، وطريقة الحصول عليها، والسبب الذي حال دون تقديمها عندما كانت أمامه فرصة عرضها على القضاء الإسباني.

وهذا التناقض يجعل هذه الادعاءات أقرب إلى محاولة سياسية لاستغلال اسم “بيغاسوس” الذي كان يحتل مساحة واسعة في النقاش الإعلامي ويثير حساسيات داخل إسبانيا، إذ حاول الرجل، وفق هذا التصور، رفع قيمة ما يدعي امتلاكه وإقناع القضاء الإسباني بأنه “صيد ثمين” يستحق الحماية ومنع تسليمه، لكن قيمة هذه الورقة تراجعت بمجرد الانتقال من مرحلة التصريحات إلى مرحلة تقديم الأدلة.

ولهذا السبب، عندما طالبت النيابة العامة الإسبانية في 28 أكتوبر 2024 بإحالة المعطيات إلى القاضي خوسيه لويس كالاما، المكلف بملف “بيغاسوس”، لم تصل المعلومات التي تم الحديث عنها إلى مسارها القضائي.

وهنا تفقد الرواية أساسها، لأن من يملك فعلا ملفا خطيرا بهذا الحجم لا يتراجع عندما يُطلب منه تقديم وثائقه أمام القاضي المختص، إلا إذا كانت تلك المعطيات مجرد ورقة “بوكر” بلا مضمون، ولم يجد صاحبها ما يكشفه عند لحظة الاختبار.

ورقة الجزائر

وبعد تعثر مسار الضغط في إسبانيا وسقوط ورقة “بيغاسوس”، تكشف الصحيفة الإلكترونية الإسبانية عن وجهة أخرى فكر فيها حيجاوي، وهي الجزائر إلى جانب كندا، ليصبح المسار أكثر وضوحا من الناحية السياسية، لأن التفكير في الجزائر في سياق الفرار من العدالة المغربية لا يبدو مجرد اختيار جغرافي عادي بالنظر إلى طبيعة العلاقات بين البلدين.

فالشخص الذي يختار الاحتماء بدولة توجد في حالة خلاف سياسي مع بلده، وهو يحمل أو يدعي امتلاك معلومات حساسة، يضع نفسه في موقع يمكن أن تستفيد منه جهات تبحث عن أوراق قابلة للاستعمال ضد المغرب، كما أن اختيار الجزائر بعد محاولة عرض المعلومات على القضاء الإسباني والاستعانة بشبكة مرتبطة بمسؤول استخباراتي فنزويلي سابق يكشف، وفق المعطيات المنشورة، طبيعة المسار الذي وصل إليه، ويجعل الحديث عن الابتعاد عن الوطن أقرب إلى قراءة للوقائع المعروضة.

وفي هذا الإطار، لا تظهر الجزائر كوجهة عادية، بل كخيار محتمل لتقديم دعم سياسي وإعلامي لمن يبحثون عن مادة يمكن استخدامها ضد المملكة، لذلك فإن مجرد التفكير في الاستقرار هناك، بعد تقديم معلومات إلى جهات أجنبية ومحاولة الحصول على حماية عبر قنوات خفية، يجعل القضية تتجاوز الخلاف القانوني الشخصي إلى تساؤل أوسع حول تحويل الوطن إلى أداة تفاوض.

وإذا كان حيجاوي قد سعى خلال الفترة السابقة إلى تقديم نفسه باعتباره صاحب قضية، فإن الانتقال من إسبانيا إلى التفكير في الجزائر يكشف، بحسب هذا الطرح، أن الهدف الأساسي كان البحث عن جهة توفر له الحماية، حتى لو كان الثمن اللجوء إلى خصوم المغرب وتحويل ما يدعي امتلاكه من أسرار إلى ورقة سياسية، وهو ما يغير صورة “المعارض” الذي يتحرك بدافع المبدأ إلى صورة شخص يبحث عن النجاة بأي ثمن.

هروب إلى المجهول

وتختتم الصورة التي رسمتها “The Objective” مسارها بمشهد يلخص التطورات كلها، إذ تقول الصحيفة الإلكترونية إن حيجاوي غادر الأراضي الإسبانية بسرعة، مستخدما قاربا ثم طائرة خاصة في اتجاه تركيا، قبل أن يصبح مكان وجوده غير معلوم وفق الرواية المنشورة.

ويبدو هذا الفرار نهاية لمسار قام على ادعاءات كبيرة لم تصمد أمام الاختبار، فمن شبكة “إل بويو” الفنزويلية إلى تقديم “المعلومات الحصرية”، ومن ورقة “بيغاسوس” التي لم تصل إلى القاضي المختص إلى التفكير في الجزائر، ثم مغادرة إسبانيا نحو المجهول، تتجمع المعطيات لتقدم صورة رجل كان يبحث عن مخرج أكثر من بحثه عن كشف الحقيقة، وكلما أُغلق أمامه طريق اتجه إلى آخر، حتى عبر شبكات مثيرة للجدل أو دول قد تتحول إلى أدوات لاستغلاله سياسيا.

والصحافة الإسبانية التي حاول حيجاوي، بحسب ما يظهر من التحقيق، استخدامها لتقديم نفسه باعتباره صاحب أسرار كبيرة، هي نفسها التي عرضت أمام الرأي العام سلسلة من الوقائع التي تكشف الفارق بين الصورة التي حاول رسمها لنفسه وبين المسار الذي انتهى إليه، شخص يلوح بوثائق لا يقدمها، يعتمد على شبكات استخباراتية أجنبية، يساوم بمعلومات يصفها بالحساسة، يفكر في اللجوء إلى الجزائر، ثم يختفي تاركا أسئلة كثيرة حول حقيقة ما يملكه، وطبيعة علاقاته، ومدى استعداده للذهاب بعيدا من أجل إنقاذ نفسه.

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

نستخدم ملفات الكوكيز لنسهل عليك استخدام موقعنا الإلكتروني ونكيف المحتوى والإعلانات وفقا لمتطلباتك واحتياجاتك الخاصة، لتوفير ميزات وسائل التواصل الاجتماعية ولتحليل حركة الزيارات لدينا...لمعرفة المزيد

موافق