قانون الجنسية يبرز أبعادا جديدة لتجاذبات مدريد بشأن الصحراء المغربية
أعاد تصويت مجلس النواب الإسباني على مشروع القانون المرتبط بتيسير حصول آلاف الصحراويين على الجنسية الإسبانية ملف الصحراء المغربية إلى صلب النقاش السياسي والقانوني في مدريد، بعد أن حصل النص على دعم 168 نائبا، مقابل 31 صوتا معارضا و147 حالة امتناع عن التصويت.
ينطلق هذا المشروع من خلفية تاريخية مرتبطة بمرحلة الإدارة الإسبانية للمنطقة؛ إذ يمنح، وفقا للشروط المنصوص عليها فيه، مسارا خاصا لفئات من الصحراويين الذين ولدوا خلال تلك الفترة من أجل الحصول على الجنسية الإسبانية، مع شمول بعض المقتضيات أبناءهم أيضا. ويعيد النص بذلك طرح مسألة العلاقة القانونية التي بقيت حاضرة في الذاكرة الإسبانية مع سكان منطقة كانت خاضعة للإدارة الإسبانية، في وقت تسعى فيه مدريد منذ سنوات إلى تحقيق توازن بين إرثها التاريخي والتزاماتها السياسية الحالية.
وتبرز تركيبة التصويت بعدا سياسيا لافتا؛ فالحزب الاشتراكي، الذي كان قد عارض المبادرة في مرحلة سابقة من مسارها داخل البرلمان، انتهى إلى تأييدها، بينما امتنع الحزب الشعبي عن التصويت، في حين رفضها حزب “فوكس”. ويعكس هذا الاختلاف استمرار التباين داخل الساحة السياسية الإسبانية حول طريقة التعاطي مع قضية الصحراء والإرث الاستعماري الإسباني، كما يوضح أن الملف حاضر في الصراعات الداخلية، وليس مجرد مسألة تتعلق بالجنسية وحقوق الأفراد.
وتزداد حساسية هذه الخطوة بالنسبة إلى المغرب بسبب توقيتها؛ فقد جاءت في اليوم ذاته الذي أصدرت فيه وزارة الخارجية المغربية بلاغا تضمن انتقادات صريحة لبعض المواقف السياسية والإعلامية الإسبانية، مع تأكيد التمسك في المقابل بخيار حسن الجوار والشراكة القائمة بين البلدين.
ورغم أن مشروع القانون لا يتضمن، من الناحية القانونية، تغييرا في الموقف الرسمي الإسباني من قضية الصحراء المغربية أو إقرارا لوضع سياسي جديد للمنطقة، فإن المصادقة عليه تثير نقاشا بشأن حدود استحضار الإرث الإسباني للصحراء داخل المؤسسات التشريعية في مدريد، وإمكانية انتقال هذا النقاش من المجال الحقوقي إلى المجال السياسي.
وتنبع أهمية القرار من كونه يختبر التوازن الدقيق الذي حكم العلاقات المغربية الإسبانية منذ إعلان 7 أبريل 2022؛ إذ تراهن مدريد على شراكة استراتيجية مع الرباط تشمل الاقتصاد والأمن والهجرة، في وقت تستمر داخل مؤسساتها السياسية مبادرات تتناول ملفات حساسة بالنسبة إلى المغرب. ومن هذا المنطلق، لا ترتبط خلفية القرار بمسألة الجنسية فقط، بل أيضا بالتساؤل حول ما إذا كان استحضار الماضي الإسباني في الصحراء سيبقى محصورا في إطار التسويات القانونية والحقوقية أم سيتحول تدريجيا إلى ورقة في التجاذب السياسي الداخلي الإسباني وانعكاساته على العلاقات مع الرباط.
حسابات إسبانية
قال العربي النص، الخبير العسكري والعضو السابق في البوليساريو، إن قانون الجنسية الإسبانية المقترح لفائدة الصحراويين “ليس نتاج التطورات الحالية”، موضحا أنه طُرح منذ سنوات، وحتى قبل تشكيل الحكومة الحالية، بعدما تقدم به “بوديموس” خلال الولاية الحكومية السابقة، قبل سقوط الحكومة وتنظيم انتخابات سابقة لأوانها، ليعاد طرحه لاحقا من طرف “سومار” العضو في الائتلاف الحكومي الإسباني.
وأوضح النص، في تصريح لليوم 30 الإلكترونية، أن “لا يمكن ربط ذلك بأمور ظرفية أو وليدة الظروف القائمة الآن”، مشيرا إلى أن التحولات التي عرفها مسار القانون ترتبط أساسا بـ “الموازين الداخلية للحكومة والأحزاب السياسية الإسبانية”. وأضاف أن الحزب الاشتراكي حاول خلال فترة مناقشة المشروع مراعاة ما قد يثيره القرار لدى المغرب، قبل أن يواجه ضغط حليفه الحكومي “سومار”، الذي يحتاج إليه للحفاظ على الأغلبية ومواصلة الحكم.
وأضاف الخبير في الشأن الإسباني أن هذا الوضع أدى إلى حدوث “مد وجزر” داخل الكواليس، ما ساهم في تعثر المسار التشريعي وجعله يتحرك “بخطى مثقلة”، معتبرا أن التطورات التي أعقبت ذلك تؤكد ارتباط الملف بالتوازنات الحزبية الداخلية أكثر من ارتباطه بالظرف السياسي الحالي.
وفي هذا الإطار، أكد مدير مركز السلام للدراسات السياسية والاستراتيجية أن موقف الحزب الشعبي بدوره تأثر بالتجاذبات السياسية الداخلية، موضحا أن الحزب كان، خلال الفترة التي أبدى فيها الحزب الاشتراكي تحفظا تجاه المبادرة، يقدم نفسه مدافعا عن القانون، بسبب ما وصفه بـ “الحس الانتخابي والانتهازي” لليمين الإسباني، قبل أن يتغير موقفه بعد تحول موقف الاشتراكيين ودخول “سومار” إلى الحكومة.
وأشار الباحث في خبايا النزاع إلى أن هذا التحول ظهر بشكل واضح خلال التصويت داخل لجنة العدل قبل أشهر، عندما حاول الحزب الشعبي إدخال تعديلات اعتبر أنها “تفرغ القانون من جدواه ومن معناه”، قبل أن ينتهي إلى الامتناع عن التصويت، مؤكدا أن تضخيم دلالة التطور سيكون قراءة غير دقيقة، وأن القرار يجب فهمه ضمن مسار التجاذب والتوازنات بين الأحزاب الإسبانية.
وفي المقابل، أكد العربي النص أن المسار التشريعي للقانون لم يكتمل بعد، وأنه يحتاج إلى المرور بمراحل أخرى قبل دخوله حيز التنفيذ، رغم تجاوزه المرحلة الأهم داخل مجلس النواب، مشيرا إلى أن دور مجلس الشيوخ يبقى محدودا مقارنة بمجلس النواب في حسم المسار التشريعي وفق النظام الدستوري الإسباني.
وأضاف أن البلاغ المغربي الذي صدر بالتزامن مع هذه التطورات كان، حسب تقديره، “متوازنا” و”عقلانيا”، رغم صدوره في وقت متأخر، مشيرا إلى أن غياب موقف وزارة الخارجية خلال الأسابيع التي تلت أحداث سبتة أتاح المجال أمام “المزايدين” لتقديم تفسيرات مختلفة للعلاقات المغربية الإسبانية.
موقف مغربي
وتوقف العربي عند إشارة البلاغ المغربي إلى المبادرات التشريعية الإسبانية التي لا تخدم العلاقات بين البلدين، معتبرا أن هذه النقطة تستحق نقاشا واسعا، لأن الدستور المغربي يسمح بازدواجية الجنسية، ولأن الحصول على الجنسية الإسبانية لا يعني بالضرورة تبني موقف سياسي أو انفصالي.
وأوضح أن الصحراويين، مثل باقي المواطنين المغاربة، قد يعتبرون القانون فرصة للاستفادة من الامتيازات المرتبطة بالإقامة أو الجنسية الإسبانية، خصوصا في ظل الضغوط الاجتماعية والاقتصادية، مشددا على أن ذلك “لا ينبغي أن يُقرأ تلقائيا من زاوية سياسية”.
“سبق لإسبانيا أن اعتمدت تشريعات مماثلة لفئات ترتبط بها تاريخيا، من بينها مواطنو دول أمريكا اللاتينية واليهود السفارديم وسكان غينيا الاستوائية”، يؤكد النص، مضيفا أن “التسهيلات المتعلقة بالجنسية تندرج ضمن مسار قانوني وحقوقي قائم في التشريع الإسباني، ولا ينبغي حصرها في الظرف السياسي الحالي”.
وفي السياق ذاته، شدد المحلل السياسي نفسه على رفض التعامل مع الصحراويين باعتبارهم “انفصاليين مفترضين” لمجرد احتمال استفادتهم من الجنسية الإسبانية، موضحا أن للمواطنين الصحراويين، مثل باقي المغاربة، الحق في الاستفادة من ازدواجية الجنسية متى استوفوا الشروط القانونية، مضيفا أن خلفيات القانون تعود إلى سنوات، وأن الفاعلين الأساسيين في مساره هم الأحزاب السياسية الإسبانية وأجنداتها الداخلية، وليس الجمعيات أو التطورات الظرفية الأخيرة.
تركيبة المخيمات
من جهته، يرى السالك رحال، الناطق الرسمي باسم حركة “صحراويون من أجل السلام”، أن إعادة منح الجنسية الإسبانية للصحراويين المولودين خلال فترة الإدارة الاستعمارية الإسبانية بالصحراء وأبنائهم تأتي ضمن ما تسميه إسبانيا “الذاكرة التاريخية”، وهي سياسة سبق تطبيقها تجاه سكان مستعمراتها السابقة في أمريكا اللاتينية.
وأضاف رحال، في إفادة لليوم 30 الإلكترونية، أن الأهم في هذه الخطوة يتمثل في ما قد توفره للصحراويين الموجودين في مخيمات تندوف والخاضعين لسيطرة البوليساريو من إمكانية مغادرة المخيمات، وإنهاء ما وصفه بـ “وضعية اللجوء الأبدي” التي يعيشونها.
وأوضح المتحدث نفسه أن البوليساريو تتحكم في استمرار وجود هؤلاء داخل المخيمات، باعتبارها الجهة الوحيدة التي تمنح جوازات السفر وتحدد عدد تأشيرات السفر إلى إسبانيا، معتبرا أن دخول القانون حيز التنفيذ سيمنح كل صحراوي تتوفر فيه الشروط القانونية إمكانية مغادرة المخيمات.
وذكر أن هذه الخطوة “تهدد مشروع البوليساريو” لأنها قد تكشف، حسب تقديره، حقيقة أعداد سكان المخيمات الذين ينتمون فعليا إلى الأقاليم الصحراوية، مقابل أعداد أخرى لا تعود أصولها إلى منطقة النزاع.
ونبه المتحدث لليوم 30 إلى أن مصادر في إسبانيا تتحدث عن استفادة ما بين 80 و100 ألف شخص من إجراءات الحصول على الجنسية، وقال: “إذا اعتبرنا أن ثلثي الصحراويين موجودون في الأقاليم الجنوبية، فنحن أمام أقل من 25 ألفا على الأكثر من سكان المخيمات هم الصحراويون الأصليون”، في وقت يوجد، وفق المعطيات التي قدمها، أكثر من 150 ألف شخص داخل المخيمات، مستشهدا برقم 176 ألفا المنسوب إلى منظمة غوث اللاجئين، معتبرا أن هذه المعطيات تطرح بدورها “إشكالية أخرى” مرتبطة بتركيبة سكان المخيمات.
وأشار رحال إلى أن البوليساريو توجد، وفق رؤيته، في “وضعية حرجة جدا”، رغم ما يبدو من دعم غير معلن للمشروع، لافتا إلى أن الحركة الانفصالية تواجه أزمة متنامية، خاصة مع تصاعد أصوات صحراويين غير معنيين بالوثائق المرتبطة بفترة الإدارة الإسبانية، والذين يطالبونها بالبحث عن حل جذري لهذه الإشكالية.
وأضاف أن هذه الخطوة الإنسانية ستساهم في تخفيف معاناة سكان مخيمات تندوف، كما يمكن أن تساعد على تسريع التوصل إلى حل سياسي توافقي لنزاع الصحراء يقوم على أساس المقترح المغربي للحكم الذاتي.
وختم الناطق الرسمي باسم حركة “صحراويون من أجل السلام” بالتأكيد على أن الحركة تثمن هذه الخطوة التي تمثل، في نظرها، فرصة لكي تتحمل إسبانيا باعتبارها القوة الاستعمارية السابقة جزءا من تكاليف الحل، مشددا على ضرورة الإسراع بإنهاء وجود الصحراويين الأصليين في مخيمات تندوف، في انتظار وضع حد لما وصفه بـ “اللجوء غير المبرر” فوق الأراضي الجزائرية، في ظل الظروف الإنسانية التي يعيشها سكان المخيمات.






















